وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَكْثَرَ مِنْ رُكُوعٍ فَرَوَى عَلَى حَسَبِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الِاشْتِبَاهِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّهَا بِالْمَدِينَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَرْبَابِ السِّيَرِ عَلَى خِلَافٍ فِي تَعْيِينِ سَنَةِ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَجُمْهُورُ أَهْلِ السِّيرَةِ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ فَقِيلَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ فِي رَمَضَانَ، وَقِيلَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَلَمْ يَصِحَّ الْأَخِيرُ ; لِأَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ شُهِدَ وَفَاتُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا، وَقِيلَ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ الْحُدَيْبِيَةِ.
(فَقَامَ) أَيْ: فِي مَحَلِّهِ أَوْ عَلَى الْمِنْبَرِ (فَحَمِدَ اللَّهَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِنَا مِنْ تَعْيِينِ لَفْظِ ح م د فِي الْخُطْبَةِ انْتَهَى وَفِي اسْتِدْلَالِهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ أَوِ الْمَعْنَى شَكَرَهُ عَلَى إِنْعَامَاتِهِ، وَأَثْنَى عَلَى ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَزَادَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ، وَشَهِدَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ) أَيِ: الدَّالَّانِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ الْآيَةَ أَيْ: عَلَامَتَيْنِ تَدُلَّانِ عَلَى الْقَادِرِ الْحَكِيمِ بِتَعَاقُبِهِمَا عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ مَعَ إِمْكَانِ غَيْرِهِ أَوْ عَلَى تَخْوِيفِ الْعِبَادِ مِنْ بَأْسِهِ، وَسَطْوَتِهِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا وَزَادَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، قَالَ مِيرَكُ: وَقَعَ فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ الْمُخْرَجَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ زِيَادَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَهِيَ (لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ) وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ أَيْضًا بَيَانُ سَبَبِ هَذَا الْقَوْلِ وَلَفْظُهَا، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ مَاتَ فَقِيلَ إِنَّمَا كَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجَ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى حَتَّى انْجَلَتْ فَلَمَّا انْجَلَتْ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنَ الْعُظَمَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَى آخِرِهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ.
(فَإِنِ انْكَسَفَا) فِيهِ تَغْلِيبُ الْقَمَرِ فِي التَّذْكِيرِ، وَتَغْلِيبُ الشَّمْسِ فِي الْفِعْلِ عَلَى الشَّهِيرِ، وَفِي نُسْخَةٍ فَإِذَا انْكَسَفَا (فَافْزَعُوا) بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ: خَافُوا وَتَضَرَّعُوا، وَالْتَجِئُوا وَبَادِرُوا، وَتَوَجَّهُوا (إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى) وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا وَادْعُوا فَسُمِّيَتِ الصَّلَاةُ ذِكْرًا لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ، وَمَدَارِهَا إِلَيْهِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: إِنَّمَا هَذِهِ الْآيَاتُ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ فَإِذَا