اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا (وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ) أَيْ: عَلَى طَرَفِهِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، وَأَغْرَبَ شَارِحٌ حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ (فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ) أَيْ: يَسِيلُ دَمْعُهُمَا (فَقَالَ: أَفِيكُمُ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ) أَيِ: الْبَارِحَةَ.
فِي جَامِعِ الْأُصُولِ لَمْ يُقَارِفْ أَيْ: لَمْ يُذْنِبْ ذَنْبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الْجِمَاعُ فَكَنَّى عَنْهُ، وَقِيلَ هُوَ الْمَعْنِيُّ فِي الْحَدِيثِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي النِّهَايَةِ قَارَفَ الذَّنْبَ إِذَا دَانَاهُ، وَقَارَفَ امْرَأَتَهُ إِذَا جَاءَهَا، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي دَفْنِ أُمِّ كُلْثُومٍ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَمْ يُقَارِفْ أَهْلَهُ اللَّيْلَةَ فَلْيَدْخُلْ قَبْرَهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يُقَارِفْ بِالْقَافِ وَالرَّاءِ وَالْفَاءِ مِنَ الْمُقَارَفَةِ عَلَى صِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ، وَأَنَّ الْمَفْعُولَ هُنَا مَحْذُوفٌ وَهُوَ الذَّنْبُ أَوِ امْرَأُتُهُ، وَأَهْلُهُ، وَقَدْ زَادَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ فُلَيْحٍ أُرَاهُ يَعْنِي الذَّنْبَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَحَكَى عَنِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يُقَارِفْ تَصْحِيفٌ، وَالصَّوَابُ لَمْ يُقَاوِلْ أَيْ: لَمْ يُنَازِعْ غَيْرَهُ فِي الْكَلَامِ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْكَلَامَ بَعْدَ الْعِشَاءِ كَذَا ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ (قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا) أَيِ: الَّذِي لَمْ يُجَامِعِ امْرَأَتَهُ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَا الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ ذَنْبًا، وَلَوْ مُقَيَّدًا بِاللَّيْلَةِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْكَبِيرَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّ مِعْنَاهُ لَمْ يُجَامِعْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَقَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَبَجَّحَ أَبُو طَلْحَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ لَمْ يُذْنِبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، قَالَ مِيرَكُ وَيُقَوِّيِهِ أَنَّ رِوَايَةَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ لَا يَدْخُلُ الْقَبْرَ أَحَدٌ قَارَفَ أَهْلَهُ الْبَارِحَةَ فَتَنَحَّى عُثْمَانُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْأَوْسَطِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ (قَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ: (انْزِلْ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا) وَأَبُو طَلْحَةَ هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ غَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ، وَقَتَلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ عِشْرِينَ رَجُلًا، وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ، وَفَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ لِوَلِىِّ امْرَأَةٍ مَاتَتْ أَنْ يَأْمُرَ أَجْنَبِيًّا بِأَنْ يَنْزِلَ فِي قَبْرِهَا، وَفِيهِ إِدْخَالُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ قَبْرَهَا لِكَوْنِهِمْ أَقْوَى عَلَى ذَلِكَ مِنَ النِّسَاءِ، وَالتَّوَسُّلِ بِالصَّالِحِينَ فِي أَمْثَالِهِ.
فَإِنْ قِيلَ مَا الْحِكْمَةُ فِيهِ إِذَا فَسَّرَ الْمُقَارَفَةَ بِالْمُجَامَعَةِ قُلْتُ لَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ، وَأَنْ يَكُونَ النَّازِلُ فِيهِ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِمُخَالَطَةِ النِّسَاءِ لِتَكُونَ نَفْسُهُ مُطَمْئِنَةً سَاكِنَةً كَالنَّاسِيَةِ لِلشَّهْوَةِ وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بَاشَرَ جَارِيَةً، فَعَلِمَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُعْجِبْهُ حَيْثُ شُغِلَ عَنِ الْمَرِيضَةِ الْمُحْتَضِرَةِ بِهَا، فَأَرَادَ أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ فِي قَبْرِهَا مُعَاتَبَةً عَلَيْهِ، فَكَنَّى بِهِ أَوْ حِكْمَةٌ أُخْرَى اللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا، وَقَالَ صَاحِبُالِاسْتِيعَابِ: فِي تَرْجَمَةِ أُمِّ كُلْثُومٍ اسْتَأْذَنَ أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَنْزِلَ فِي قَبْرِهَا، فَأَذِنَ لَهُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّهَا بِنْتٌ لَهُ صَغِيرَةٌ غَيْرُ رُقَيَّةَ، وَأُمِّ كُلْثُومٍ فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ مِنْ نُزُولِ الْأَجْنَبِيِّ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ وَالزَّوْجِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَةٌ طِفْلَةٌ كَذَلِكَ عَلَى مَا سَبَقَ وَقِيلَ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ لِيُقْبِرَهَا بَلْ لِيُعِينَ غَيْرَهُ، وَفِيهِ أَنَّ الَّذِينَ أَعَانَهُمْ لَيْسُوا مِنْ مَحَارِمِهَا، فَالْإِشْكَالُ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ ; لِأَنَّ رِوَايَةَ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَفِي