الْمَصْدَرِيَّةَ، أَيْ: لِأَجْلِ الْأَمْرِ الْمَعْلُومِ الْمُسْتَقِرِّ عِنْدَهُمْ (مِنْ كَرَاهِيَتِهِ) بَيَانٌ لِمَا، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ كَرَاهَتِهِ وَهُوَ مَصْدَرُ كَرِهَ كَعَلِمَ (لِذَلِكَ) أَيْ لِلْقِيَامِ تَوَاضُعًا لَهُمْ، وَرَحْمَةً عَلَيْهِمْ فَاخْتَارُوا إِرَادَتَهُ عَلَى إِرَادَتِهِمْ؛ لِعِلْمِهِمْ بِكَمَالِ تَوَاضُعِهِ وَحُسْنِ خُلُقِهِ، قِيلَ فِي قَوْلِهِ (أَحَبَّ) هَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْأَحَبِّيَّةَ لَا تَقْتَضِي الْقِيَامَ لِأَنَّ الْوَلَدَ أَحَبُّ إِلَى الْوَالِدِ، وَلَا يَقُومُ لَهُ، وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ؛ فَإِنَّ الْوَلَدَ حَيْثُ كَانَ لَهُ فَضِيلَةٌ تَقْتَضِي الْقِيَامَ لَهُ سُنَّلِلْأَبِ الْقِيَامُ لَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَلَامُ أَئِمَّةِ هَذَا الْقَائِلِ فَبَطَلَ إِشْكَالُهُ الْمَبْنِيُّ عَلَى وَهْمٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَحَبِّيَّةَ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ تَقْتَضِي الْقِيَامَ انْتَهَى؟ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ إِشْكَالَهُ وَارِدٌ، وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرَهُ بِطَرِيقِ الرَّدِّ لَا أَنَّ الْإِشْكَالَ مُنْدَفِعٌ مِنْ أَصْلِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَحَبَّةَ إِذَا كَانَتْ نَاشِئَةً عَنِ الْفَضِيلَةِ تَقْتَضِي الْقِيَامَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَامَةِ لَا الْمَحَبَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ عَلَى مُقْتَضَى السَّجِيَّةِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُحِبُّ فَرَسَهُ أَكْثَرَ مِنْ صَاحِبِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ الظَّاهِرُمِنْ إِيرَادِ أَنَسٍ هَذَا الْحَدِيثَ إِرَادَةُ أَنَّ الْقِيَامَ الْمُتَعَارَفَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي أَصْلِ السُّنَّةِ وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ، وَإِنِ اسْتَحَبَّهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَلَا يَقُومُونَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يُتَوَهَّمُ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: لَا تَقُومُوا كَمَا يَقُومُ الْأَعَاجِمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَنْصَارِ قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ أَيْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ سَيِّدِ الْأَوْسِ لَمَّا جَاءَ عَلَى حِمَارٍ لِإِصَابَةِ أَكْحَلِهِ بِسَهْمٍ فِي وَقْعَةِ الْخَنْدَقِ كَانَ مِنْهُ مَوْتُهُ بَعْدُ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ لِلْغَيْرِ فَأَعْطَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ وَأَمَرَهُمْ بِفِعْلِهِ بِخِلَافِ قِيَامِهِمْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ حَقٌّ لِنَفْسِهِ وَتَرَكَهُ تَوَاضُعًا انْتَهَى، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ يَرُدُّ عَلَيْهِ،؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَارَفًا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَعَلَى التَّنَزُّلِ، فَلَوْ أَرَادَ قِيَامَ التَّعْظِيمِ لَمَا خَصَّ قَوْمَهُ بِهِ، بَلْ كَانَ يَعُمُّهُمْ وَغَيْرَهُمْ، فَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَامِ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ هُوَ إِعَانَتُهُ حَتَّى يَنْزِلَمِنْ حِمَارِهِ لِكَوْنِهِ مَجْرُوحًا مَرِيضًا، وَلَا يَدْفَعُهُ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى لَعَدَّى بِـ (إِلَى) لِأَنَّ اللَّامَ تَأْتِي كَثِيرًا لِلْعِلَّةِ، فَالتَّقْدِيرُ: قُومُوا لِأَجْلِ مُعَاوَنَةِ سَيِّدِكُمْ، مَعَ أَنَّهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ (قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ) حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أُرِيدَ بِهِ التَّوْقِيرُ لَقَالَ: قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَيُؤَيِّدُ مَذْهَبَنَا مَنْ نَدَبَ الْقِيَامَ لِكُلِّ قَادِمٍ بِهِ فَضِيلَةٌ، نَحْوَ نَسَبٍ، أَوْ عِلْمٍ، أَوْ صَلَاحٍ، أَوْ صَدَاقَةِ حَدِيثٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ لِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ وَلِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ، وَضَعْفُهُمَا لَا يَمْنَعُ الِاسْتِدْلَالَ بِهِمَا هُنَا خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ اتِّفَاقًا بَلْ إِجْمَاعًا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فَمَدْفُوعٌ؛ لِأَنَّ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَكِنْ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى إِثْبَاتِالْخَصْلَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ عَلَى أَنَّ الْقَادِمَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ فَهُوَ خَارِجٌ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ، مَعَ أَنَّ الْمَرْوِيَّ بِطَرِيقِ الضَّعْفِ عَنْ عَدِيٍّ (مَا دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا قَامَ لِي أَوْ تَحَرَّكَ) وَالْمَشْهُورُ إِلَّا أَوْسَعَ لِي، وَلَوْ ثَبَتَ فَالْوَجْهُ فِيهِ: أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّرْخِيصِ حَيْثُ يَقْتَضِيهِ الْحَالُ، وَقَدْ كَانَ عَدِيٌّ سَيِّدَ بَنِي طَيٍّ عَلَى حَسَبِهِ فَرَأَى تَأْلِيفَهُ بِذَلِكَ. عَلَى الْإِسْلَامِ لَمَّا عَرَفَ مِنْ جَانِبِهِ مَيْلًا إِلَيْهِ عَلَى