النَّاسِ) أَيْ: عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنَ الْوَارِدِينَ عَلَيْهِ الْمُلْتَجِئِينَ إِلَيْهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (فَرَدَّ) وَفِي نُسْخَةٍ فَيَرُدُّ أَيْ فَيَصْرِفُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (ذَلِكَ) أَيِ: الْجُزْءَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ (بِالْخَاصَّةِ) أَيْ: بِسَبَبِهِمْ (عَلَى الْعَامَّةِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (رَدَّ) قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْخَاصَّةَ تَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دُونَ الْعَامَّةِ فَتَسْتَفِيدُ ثُمَّ تُخْبِرُ الْعَامَّةَ بِمَا سَمِعَتْ مِنَ الْعُلُومِ فَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوصِلُ الْفَوَائِدَ إِلَى الْعَامَّةِ بِوَاسِطَةِ الْخَاصَّةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ (يَدْخُلُونَ رُوَّادًا وَيَخَرُجُونَ أَدِلَّةً) . وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَاءَ فِيهِ بِمَعْنَى مِنْ أَيْ: يَرُدُّ عَلَى الْعَامَّةِ مِنْ جُزْءِ الْخَاصَّةِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَجْعَلَ الْعَامَّةَ مَكَانَ الْخَاصَّةِ فَيَرُدُّ ذَلِكَ عَلَى الْعَامَّةِ بَدَلًا مِنَ الْخَاصَّةِ. كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْمُنْتَقَى وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ ثُمَّ جَزَّأَ جُزْأَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ فَصَيَّرَهُ جُزْأَيْنِ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ لَمَّا عَادَ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ هُوَ نَفْسُهُ الشَّرِيفَةُ كَانَا بِمَنْزِلَةِ شَيْءٍ وَاحِدٍ فَاتَّضَحَ قَوْلُهُ (ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ) فَغَيْرُ مَضْبُوطٍ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَرْبُوطٍ (وَلَا يَدَّخِرُ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ وَإِنْ جُوِّزَ فِي اللُّغَةِ إِعْجَامُ الذَّالِ فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ هُوَ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ أَوْ مُهْمَلَةٍ إِذْ أَصْلُهُ يَذْتَخِرُ فَقُلِبَتِ التَّاءُ ذَالًا مُعْجَمَةً ثُمَّ هِيَ مُهْمَلَةٌ، وَهَذَا هُوَ الْأَكْثَرُ أَوْ مُهْمَلَةٌ ثُمَّ هِيَ مُعْجَمَةٌ، وَأُدْغِمَتْ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ مَعَ أَنَّ قَلْبَ التَّاءِ ذَالًا مُعْجَمَةً غَيْرُ مَعْرُوفٍ فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ فِي الْإِعْلَالِ: إِنَّ أَصْلَهُ لَا يَذْتَخِرُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى أَنَّهُ افْتِعَالٌ مِنَ الذَّخِيرَةِ فَقُلِبَتْ تَاؤُهُ دَالًا لِلْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ فِي عِلْمِ الصَّرْفِ، ثُمَّ قُلِبَتِ الْمُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِقُرْبِ الْمَخْرَجِ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ فِي الْأُخْرَى لِلْمُمَاثَلَةِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقْلِبَ الدَّالَ الْمُهْمَلَةَ الْمُنْقَلِبَةَ عَنِ التَّاءِ ذَالًا مُعْجَمَةً فَتُدْغَمُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُخْفِي (عَنْهُمْ) أَيْ: عَنِ الْعَامَّةِ أَوْ عَنِ الْخَاصَّةِ ثُمَّ تَصِلُ إِلَى الْعَامَّةِ أَوْ عَنْهُمَا أَوْ عَنِ النَّاسِ (شَيْئًا) أَيْ: مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ وَفِيهِ نَفْعٌ لِخُصُوصِهِمْ أَوْ عُمُومِهِمْ (وَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ) أَيْ: مِنْ (طَرِيقَتِهِ فِي جُزْءِ الْأُمَّةِ) أَيْ: فِي حِصَّتِهِمْ مِنَ الدَّاخِلِينَ عَلَيْهِ وَالْوَاصِلِينَ إِلَيْهِ. (إِيثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ) أَيِ: اخْتِيَارُ أَهْلِ الْفَضْلَةِ الزَّائِدَةِ حَسَبًا أَوْ نَسَبًا أَوْ سَبْقًا أَوْ صَلَاحًا فَيُقَدِّمُهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي الدُّخُولِ وَالتَّوَجُّهِ وَالْإِقْبَالِ وَالْإِفَادَةِ وَإِبْلَاغِ أَحْوَالِ الْعَامَّةِ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: بِإِذْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مِنْبَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى فَاعِلِهِ وَأَبْعَدَ الْحَنَفِيُّ حَيْثُ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ، وَالْإِضَافَةَ إِلَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْقُولِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ أَوَّلَيْهِ وَأَصْلُهُ صِغَارُ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَنَحْوِهِمَا، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَخُصُّ أَهْلَ الْفَضْلِ بِأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَيُقَسِّمُهُ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ (وَقَسْمُهُ) أَيْ: فِيهِمْ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّينِ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ مَصْدَرُ قَسَمَهُ، وَرَفَعَهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ أَيْ: مَا عِنْدَهُ مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا