الرِّيَاضَةِ وَكَذَا الْعَرَبُ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ إِذَا اشْتَدَّ جُوعُهُمْ وَخَلِيَتْ بُطُونُهُمْ أَنْ يَرْبُطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَجَرًا عَلَى بَطْنِهِ كَيْلَا يَسْتَرْخِيَ بَطْنُهُ وَلِئَلَّا يَنْزِلَ أَمْعَاؤُهُ فَيَشُقَّ عَلَيْهِ التَّحَرُّكُ فَإِذَا يَرْبُطُ حَجَرًا عَلَى بَطْنِهِ يَشْتَدُّ بَطْنُهُ وَظَهْرُهُ فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَمَنْ كَانَ جُوعُهُ أَشَدَّ يَرْبُطُ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرَيْنِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَهُمْ جُوعًا وَأَشَدَّهُمْ رِيَاضَةً، فَرَبَطَ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرَيْنِ، وَرَبَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَجَرًا، وَقَالَ صَاحِبُ الْأَزْهَارِ: فِي رَبْطِ الْحَجَرِ عَلَى الْبَطْنِ أَقْوَالٌ أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ يَخُصُّ أَحْجَارًا بِالْمَدِينَةِ تُسَمَّى الْمُشْبِعَةَ، كَانُوا إِذَا جَاعَ أَحَدُهُمْ يَرْبُطُ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ فِيهِ بُرُودَةً تُسَكِّنُ الْجُوعَ وَحَرَارَتَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُقَالُ: لِمَنْ يُؤْمَرُ بِالصَّبْرِ: ارْبُطْ عَلَى قَلْبِكَ حَجَرًا فَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤْمَرُ بِالصَّبْرِ، وَأَمَرَ أُمَّتَهُ هُوَ بِالصَّبْرِ قَالًا وَحَالًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، لَكِنْ كِلَاهُمَا لَا يَصْلُحُ لِلْمَقَامِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا أَرَادَ بِرَفْعِ الثَّوْبِ عَنْ حَجَرَيْنِ إِلَّا الْإِشَارَةَإِلَى أَنَّ جُوعَهُ أَشَدُّ فَلَا يُنَاسِبُهُ التَّسْلِيَةُ بِتَسْكِينِ الْجُوعِ وَحَرَارَتِهِ بِبُرُودَةِ الْحَجَرِ مَعَ أَنَّ هَذَا بَعِيدٌ عَنِ الْعَادَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ فِي الْمَدِينَةِ حَجَرٌ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ مَجَازٌ مَعْنَوِيٌّ وَفِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَادِرٌ عَنْ حَجَرٍ حَقِيقِيٍّ، وَقِيلَ حِكْمَةُ رَبْطِ الْحَجَرِ أَنَّهُ يُسَكِّنُ بَعْضَ أَلَمِ الْجُوعِ؛ لِأَنَّ حَرَارَةَ الْمَعِدَةِ الْغَرِيزِيَّةِ مَا دَامَتْ مَشْغُولَةً بِالطَّعَامِ قَلَّتِ الْحَرَارَةُ بِهِ، فَإِذَا نَفَذَ اشْتَغَلَتْ بِرُطُوبَاتِ الْجِسْمِ وَجَوَاهِرِهِ فَيَحْصُلُ التَّأَلُّمُ حِينَئِذٍ وَيَزْدَادُ مَا لَمْ يُضَمُّ إِلَى الْمَعِدَةِ الْأَحْشَاءُ وَالْجِلْدُ، فَإِنَّ نَارَهَا حِينَئِذٍ تَخْمُدُ بَعْضَ الْخُمُودِ، فَيَقِلُّ الْأَلَمُ انْتَهَى.
فَيُفِيدُ أَنَّ شَدَّ الْحَجَرِ عَلَى قَدْرِ أَلَمِ الْجُوعِ فَكُلَّمَا زِيدَ زِيدَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ أَبُو عِيسَى) أَيِ المص (هَذَا) أَيِ: الْحَدِيثُ السَّابِقُ (حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ) أَيْ: غَرَابَتُهُ نَاشِئَةٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي طَلْحَةَ لَا مِنْ سَائِرِ الطُّرُقِ (لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ يَعْنِي فَلَا يَضُرُّهُ الْغَرَابَةُ فَإِنَّهَا لَا تُنَافِي الْحُسْنَ وَالصِّحَّةَ، فَإِنَّ الْغَرِيبَ مَا يَتَفَرَّدُ بِرِوَايَتِهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ مِنْ رِجَالِ النَّقْلِ فَإِنْ كَانَ التَّفَرُّدُ بِرِوَايَةِ مَتْنِهِ فَهُوَ غَرِيبٌ مَتْنًا، وَإِنْ كَانَ بِرِوَايَتِهِ عَنْ غَيْرِ الْمَعْرُوفِ عَنْهُ كَأَنْ يُعْرَفُ عَنْ صَحَابِيٍّ فَيَرْوِيهِ عَدْلٌ وَحْدَهُ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ فَهُوَ غَرِيبٌ إِسْنَادًا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا (وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ كَانَ أَحَدُهُمْ يَشُدُّ عَلَى بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجُهْدِ) بِضَمِّ الْجِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا فَقِيلَ بِالضَّمِّ الْوُسْعُ وَالطَّاقَةُ وَبِالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ، وَقِيلَ الْمُبَالَغَةُ وَالْغَايَةُ، وَقِيلَ هُمَا لُغَتَانِ فِي الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ فَأَمَّا الْمَشَقَّةُ وَالْغَايَةُ فَالْفَتْحُ لَا غَيْرُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، ثُمَّ مِنْ تَعْلِيلِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى مِنْ أَجْلِ الْجُهْدِ (وَالضَّعْفِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهُ، وَهُوَ كَالتَّفْسِيرِ لِمَا قَبْلَهُ، وَلِذَا قَالَ (الَّذِي بِهِ مِنَ الْجُوعِ) بِإِفْرَادِ الْمَوْصُولِ وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ لِلْمَوْصُولِ أَوِ ابْتِدَائِيَّةٌ أَيْ: مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْجُهْدِ وَالضَّعْفِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ نَاشِئٌ مِنَ الْجُوعِ الشَّدِيدِ، هَذَا وَاسْتُشْكِلَ الْحَدِيثُ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تُوَاصِلُوا، فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ فَقَالَ إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى، وَفِي رِوَايَةٍ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي، وَفِي رِوَايَةٍ إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي