فَأَيُّ عَصَبَةٍ مِنَ النَّسَبِ لَهُمُ الْحَقُّ فِي غُسْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنْ رَوَى الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ: يَا عَلِيُّ لَا يُغَسِّلُنِي إِلَّا أَنْتَ فَإِنَّهُ لَا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتِي إِلَّا طُمِسَتْ عَيْنَاهُ.
وَلِذَا قِيلَ كَانَ الْعَبَّاسُ وَابْنُهُ الْفَضْلُ يُعِينَانِهِ وَقُثَمُ وَأُسَامَةُ وَشُقْرَانُ مَوْلَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْيُنُهُمْ مَعْصُوبَةٌ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ.
وَصَحَّ عَنْ عَلِيٍّ غَسَّلْتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَيِّتِ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَكَانَ طَيِّبًا حَيًّا وَمَيِّتًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ وَسَطَعَتْ رِيحٌ طَيِّبَةٌ لَمْ يَجِدُوا مِثْلَهَا قَطُّ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ كَانَ الْمَاءُ يَسْتَنْقِعُ فِي جُفُونِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ عَلِيٌّ يَحْسُوهُ، قُلْتُ، وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ عَنْ بَعْضِ الشِّيعَةِ مِنْ أَنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَقُصَّ شَارِبَهُ فَيَكُونُ تَرْكُ الْقَصِّ سُنَّةً لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ تَرَكَ قَصَّ شَارِبِهِ مَعَ طُولِهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ وُقُوعُهُ إِذْ لَا يَسُوغُ مُعَارَضَةُ السُّنَّةِ الْمَنْصُوصَةِ بِالْعِلَّةِ الْمُعَارَضَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ مَا طَالَ شَارِبُهُ بَعْدَ شُرْبِ ذَلِكَ الْمَاءِ صِيَانَةً لِقَطْعِهِ فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ مَعَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ فَعَلَيْكَ بِتَرْكِ الِابْتِدَاعِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا غَسَّلَهُ اقْتَلَصَ مَاءَ مَحَاجِرِ عَيْنَيْهِ فَشَرِبَهُ وَأَنَّهُ وَرِثَ بِذَلِكَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ عَجِيبِ مَا اتُّفِقَ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا غُسْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا: لَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُهُ مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَيْ: بِالِاكْتِفَاءِ بِالْإِزَارِ أَوْ بِمَا يَسْتُرُ الْغَلِيظَتَيْنِ أَمْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ أَيْ: مِنَ الْقَمِيصِ وَغَيْرِهِ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا ذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُتَكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ اغْسِلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ فَغَسَّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِوَصَحَّ إِذَا أَنَا مُتُّ فَاغْسِلُونِي بِسَبْعِ قِرَبٍ مِنْ بِئْرِي بِئْرِ غَرْسٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ فَسُكُونِ رَاءٍ فَسِينٍ مُهْمَلَةٍ بِئْرٌ مَشْهُورَةٌ بِالْمَدِينَةِ، هَذَا وَصَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سَحُولِيَّةٍ بِيضٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ وَالسَّحُولِيَّةُ بِالْفَتْحِ عَلَى الْأَشْهَرِ الْأَكْثَرِ فِي الرِّوَايَاتِ مَنْسُوبَةٌ إِلَى السَّحُولِ، وَهُوَ الْقَصَّارُ؛ لِأَنَّهُ يَسْحَلُهَا أَيْ: يُقَصِّرُهَا أَوْ إِلَى سَحُولٍ قَرْيَةٌ بِالْيَمَنِ وَبِالضَّمِّ جَمْعُ سَحْلٍ، وَهُوَ الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ النَّقِيُّ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ قُطْنٍ، وَفِيهِ شُذُوذٌ؛ لِأَنَّهُ نُسِبَ إِلَى الْجَمْعِ، وَقِيلَ اسْمُ الْقَرْيَةِ بِالضَّمِّ أَيْضًا، وَأَمَّا الْكُرْسُفُ فَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ هُوَ الْقُطْنُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَرُوِيَ فِي كَفَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَصَحُّ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ تَوَاتُرَ الْأَخْبَارِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ فِي تَكْفِينِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلَا عِمَامَةٌ وَخَبَرُ أَحْمَدَ أَنَّهُ كُفِّنَ فِي سَبْعَةِ أَثْوَابٍ وَهْمٌ رِوَايَةً.
أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ مُتَعَارَفٌ أَوْ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ مِنْ قَمِيصِهِ الَّذِي كَانَ يَلْبَسُهَا إِذِ الصَّوَابُعَلَى مَا نَصَّ