الْإِتْيَانِ إِلَيْهِمَا أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ لَهُمْ بَيْعَةٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ عِنْدَهُمَا فَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا ذَلِكَ، احْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهِمْ بِحَدِيثِ الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَرَدَ مِنْ طُرُقِ نَحْوِ أَرْبَعِينَ صَحَابِيًّا.
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدٍ بِلَفْظِ الْخِلَافَةِ لِقُرَيْشٍ، وَكَأَنَّهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ اسْتَغْنَى عَنْ رَدِّهِمْ عَنْ مَقَالَتِهِمْ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، وَهُوَ أَنُّ تَعَدُّدَ الْأَمِيرِ يَقْتَضِي التَّعَارُضَ وَالتَّنَاقُضَ فِي الْحُكْمِ لَا سِيَّمَا بِاعْتِبَارِ مَا عَدَا الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، وَلَا يَتِمُّ نِظَامُ الْأَمْرِ فِي أُمُورِ الْأَمْصَارِ، وَهَذَا الْكَلَامُ مِنَ الْأَنْصَارِ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى قَوَاعِدِ الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ تَقَرُّرِ الْأَحْكَامِ الْإِسْلَامِيَّةِ حَيْثُ كَانَ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ شَيْخٌ يَرْأَسُهُمْ وَمَرْجِعُهُمْ فِي أُمُورِهِمْ وَسِيَاسَتِهِمْ وَبِهَذَا كَانَتِ الْفِتْنَةُ مُسْتَمِرَّةً فِيمَا بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ جَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَعَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ.
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَأَبِي يَعْلَى وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ لَمَّا قَالَتِ الْأَنْصَارُ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَأَتَاهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ؟ فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ؟ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا شَكَّ أَنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ أَقْوَى مِنْ جَمِيعِ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَقَعَتِ الْعِبَارَةُ الْجَلِيَّةُ إِلَى أَوْلَوِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ بِالْإِمَامَةِ وَسَبَبُهُ كَوْنُهُ جَامِعًا بَيْنَ الْأَسْبَقِيَّةِ وَالْأَكْبَرِيَّةِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ بِالْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ كَمَا ظَهَرَتْ مِنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيمَا يَتَقَدَّمُ مِمَّا تَحَيَّرَ غَيْرُهُ مِنَ الْأَصْحَابِ وَكَشَفَ الْأَمْرُ عَنِ النِّقَابِ مَعَ الْإِشَارَةِ الْخَفِيَّةِ عَلَى أَحَقِّيَّتِهِ بِالْخِلَافَةِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصَّبَهُ لِهَذَا الْأَمْرِ مُدَّةً مَدِيدَةً مَعَ وُجُودِ حُضُورِ الْبَقِيَّةِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَاءِ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ أَكَّدَ الْأَمْرَ عِنْدَ مُعَارَضَةِ صَوَاحِبَاتِ يُوسُفَ بِاسْتِمْرَارِ إِمَامَتِهِ وَكَذَا إِبَاؤُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ تَقَدُّمِ عُمَرَ مَرَّةً لِغَيْبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلِهِ لَا لَا لَا يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ خُرُوجُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَدَاءُ صَلَاتِهِ خَلْفَ الصِّدِّيقِ تَأْكِيدًا لِلْقَضِيَّةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأَدِلَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ وَالتَّقْرِيرِيَّةِ أَيْضًا كَمَا خَرَجَ مَرَّةً وَطَالَعَ فِي صَلَاةِ الْقَوْمِ مُسْتَبْشِرًا، ثُمَّ رَجَعَ، وَقَدْ قَالَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ حَتَّى عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - رَضِيَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ صُورَةُ التَّخَالُفِ فِي مُدَّةٍ مِنَ التَّخَلُّفِ لِبَعْضِهِمْ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ وُقُوعَ الْبَيْعَةِ فِي غَيْبَتِهِمْ كَانَ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِمْ فِي مَرْتَبَتِهِمْ وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَيْنِ خَافَا مِنَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَعْقِدُوا بَيْعَةً بِالْعَجَلَةِ تَكُونُ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ مَعَ ظَنٍّ مِنْهُمَا أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَمْ يَكْرَهْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ ; لِعِلْمِهِمْ بِمَقَامِهِ فِي عُلُوِّ الْأَمْرِ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ الثَّلَاثِ؟) اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ عَلَى الْأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ كَانَ يَظُنُّ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْخِلَافَةِ، وَالْمَعْنَى هَلْ رَجُلٌ وَرَدَ فِي شَأْنِهِ مِثْلُ هَذِهِ الْفَضَائِلِ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لَهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ سَائِرِ مَحَاسِنِ الشَّمَائِلِ أَوَّلُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ وَثَانِيهِمَا قَوْلُهُ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ وَثَالِثُهُمَا لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ قَالَ الْحَنَفِيُّ: إِحْدَاهَا ثَانِيَ اثْنَيْنِ وَثَانِيهَا