حَجَرٍ فَتَدَبَّرْ.
ثُمَّ الْحَصْرُ إِضَافِيٌّ أَوِ ادِّعَائِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ أَشْيَاءَ أُخَرَ مِثْلَ الْأَثْوَابِ وَأَمْتِعَةِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا بَيَّنْتُ فِي مَوْضِعِهَا، وَلَعَلَّ أَمْتِعَةَ الْبَيْتِ كَانَتْ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ابْتِدَاءً أَوْ بِالتَّمْلِيكِ انْتِهَاءً، وَأَمَّا تَعَدُّدُ الثِّيَابِ فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ أَصْلٌ وَالْقَلِيلُ مِنْهَا لَمْ يُذْكَرْ لِحَقَارَتِهَا أَوْ لِغَايَةِ وُضُوحِهَا إِذْ لَا يَخْلُو إِنْسَانٌ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا عُلِمَ حُكْمُ الْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ تَبِعَهَا غَيْرُهَا بِالْأَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ أَرْبَابِ السِّيَرِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلَّفَ إِبِلًا كَثِيرَةً وَأَنَّهُ كَانَ لَهُ عِشْرُونَ نَاقَةً يَرْعَوْنَهَا حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَيَأْتُونَ بِأَلْبَانِهَا إِلَيْهِ كُلَّ لَيْلَةٍ وَكَانَ لَهُ سَبْعُ مَعْزٍ يَشْرَبُونَ لَبَنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِبِلَ الْكَثِيرَةَ هِيَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَنَّ النَّاقَةَ وَالْمَعْزَ كَانَتْ مَنِ الْمَنَائِحِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّرَايِحُ، وَسَيَجِيءُ فِي رِوَايَةِعَائِشَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَا تَرَكَ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا شَاةً، وَلَا بَعِيرًا فَيَتَعَيَّنُ التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَالْعَجَبُ مِنِ ابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ ذَكَرَ مَا نُقِلَ عَنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَسَكَتَ عَنْهُ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -) أَيْ: حِينَ بَلَغَهَا عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ (فَقَالَتْ) أَيْ: فَاطِمَةُ لِأَبِي بَكْرٍ (مَنْ يَرِثُكَ) أَيْ: بِحُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (فَقَالَ: أَهْلِي) أَيْ: زَوْجَتِي (وَوَلَدِي) أَيْ: أَوْلَادِي مِنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ (فَقَالَتْ: مَا لِي لَا أَرِثُ أَبِي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَا نُورَثُ) أَيْ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، وَفِي الْمُغْرِبِ كَسْرُ الرَّاءِ خَطَأُ رِوَايَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ رِوَايَةً؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ دِرَايَةً إِذِ الْمَعْنَى لَا نَتْرُكُ مِيرَاثًا لِأَحَدٍ لِمَصِيرِهِ صَدَقَةً حَتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ الْأَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى فَفِي الصِّحَاحِ وَالْمُغْرِبِ، يُقَالُ: أَوْرَثَهُ مَالًا تَرَكَهُ مِيرَاثًا لَهُ، ثُمَّ قَالَ مِيرَكُ: أَصْلُ الْمَجْهُولِ لَا يُورَثُ مِنَّا فَحُذِفَ مِنْ وَاسْتَتَرَ ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ فِي الْفِعْلِ فَانْقَلَبَ الْفِعْلُ مِنَ الْغَائِبِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ أَيْ: تَرْتَعُ إِبِلُنَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى لَا أَبْرَحُ أَيْ: لَا يَبْرَحُ مَسِيرِي عَلَى وَجْهٍ فَلَمَّا حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ انْقَلَبَ الْفِعْلُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ، قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: وَهُوَ وَجْهٌ لَطِيفٌ انْتَهَى، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا عَلَى مَا جَعَلَهُ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ مُتَعَدِّيًا إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَلَا حَذْفَ، وَلَا تَحْوِيلَ، فَفِي التَّاجِ لِلْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ وَبِمِنْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَيُقَالُ: وَرَّثَ أَبَاهُ مَالًا فَالْأَبُ وَالْمَالُ كِلَاهُمَا مَوْرُوثٌ وَقَوْلُ فَاطِمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَرِثُكَ وَمَا لِيَ لَا أَرِثُ أَبِي مُوَافِقٌ لَهُ وَكَذَا قَوْلُهُ (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ) وَلِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ لَا حَاجَةَ إِلَى الْقَوْلِ بِالْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ.
وَأَمَّا مَا حُكِيَ فِي تَفْسِيرِ يَرِثُنِي وَيَرِثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ يَرِثُ مَالِي.
فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ لَا نُورَثُ خَاصٌّ بِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ لِقَوْلِهِ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ