فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 616

سِرِّ الْوَحْيِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ النُّبُوَّةُ، قُلْتُ: لَا مَعْنَى لِلتَّغْلِيبِ إِلَّا هَذَا بِنُكْتَةٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْجَوَابُ بِأَنْ وَرَأَيْتُ عَطْفٌ عَلَى عُرِضَ عَلَيَّ بَعِيدٌ يَأْبَاهُ سِيَاقُ الْكَلَامِ، قُلْتُ هَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ بَلْ قَوْلٌ آخَرُ مُبَايِنٌ لِلتَّغْلِيبِ وَهُوَ بِعَيْنِهِ مِنْ بَابِ عَطْفِ قِصَّةٍ عَلَى قِصَّةٍ، فَبَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَاقُضٌ، وَبَيْنَ سُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ تَدَافُعٌ وَتَعَارُضٌ، ثُمَّ قَالَ: وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَنْبِيَاءِ الرُّسُلُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ بَلْ تَأْوِيلٌ آخَرُ كَمَا يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ. وَتَوْضِيحُهُ: أَنَّ الْمَذْكُورِينَ كُلَّهُمْ رُسُلٌ وَالرَّسُولُ يُطْلَقُ عَلَى جِبْرِيلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ وَلَا يَضُرُّ اصْطِلَاحُ الشَّرْعِ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ إِذَا أُطْلِقَ يَخْتَصُّ بِبَشَرٍ مِنْ بَنِي آدَمَ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالتَّبْلِيغِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْأَنْبِيَاءِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ أَيْضًا فَيَشْمَلُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. (فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دِحْيَةُ) : بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ عَلَى مَا قَالَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَالَ ابْنُ مَاكُولَا فِي الْإِكْمَالِ: بِفَتْحِ الدَّالِ، وَهُوَ ابْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا وَشَهِدَ مَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَبَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَكَانَ مِمَّنْ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ، نَزَلَ الشَّامَ وَبَقِيَ إِلَى أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: كَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُورَتِهِ أَيْ غَالِبًا. وَرَوَى ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ، قَالَ مِيرَكُ: قَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ هَذَا الْعَرْضَ وَقَعَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، لَكِنِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي مَكَانِ الْعَرْضِ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ:"مَرَرْتُ بِمُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ"، وَفِيهِ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ:"لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ"إِلَى آخِرِهِ، وَفِيهِ:"وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ". قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ لَقِيَهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَمَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ: أَنَّهُ لَقِيَهُمْ بِالسَّمَاوَاتِ، وَطُرُقُ ذَلِكَ صَحِيحَةٌ، فَقِيلَ اجْتِمَاعُهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ الْعُرُوجِ إِلَى السَّمَاوَاتِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ السِّيَرِ، لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَتَى مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ هُوَ وَمَنْ ذُكِرَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَلَقِيَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَّهُمْ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِمْ فِي السَّمَاوَاتِ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَانِيًا وَهُوَ فِيهِ فَصَلَّى بِهِمْ فِيهِ، انْتَهَى. أَقُولُ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ فِي أَكْثَرِ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا لَقِيَهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ سَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ حَالِهِمْ وَعَنِ اسْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَكَأَنَّهُ مَا عَرَفَهُمْ، فَلَوْ رَآهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ يَبْعُدُ سُؤَالُهُ عَنْ حَالِهِمْ وَأَسْمَائِهِمْ، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَصَلَاتُهُمْ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ لَا يَرُدُّهُ الْعَقْلُ وَيَثْبُتُ بِالنَّقْلِ، وَلَا دَاعِيَ لِصَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى حَيَاتِهِمْ، وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ أَنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت