بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى. وَفِي رِوَايَةٍ:"غُضْرُوفِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ"، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا وَقَدْ كَانَتْ عَلَيْهِ شَامَةُ النُّبُوَّةِ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى إِلَّا نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ شَامَةَ النُّبُوَّةِ كَانَتْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ مِيرَكُ: فَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَرَجَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ رِوَايَةَ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ لِكَوْنِهَا أَصَحَّ وَأَوْضَحَ، وَأَعْرَضُوا عَنْ رِوَايَتَيِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى لِتَعَارُضِهِمَا، وَاخْتَلَفُوا هَلْ وُلِدَ بِهِ أَوْ وُضِعَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ؟ فَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ أَنَّهُ لَمَّا وُلِدَ أَخْرَجَ الْمَلَكُ صُرَّةً مِنْ حَرِيرٍ أَبْيَضَ فِيهَا خَاتَمٌ فَضَرَبَ عَلَى كَتِفِهِ كَالْبَيْضَةِ، وَفِي حَدِيثِ الْبَزَّارِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ وَبِمَ عَلِمْتَ حَتَّى اسْتَيْقَنْتَ؟ قَالَ:"أَتَانِي اثْنَانِ"، وَفِي رِوَايَةٍ:"مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَطْحَاءِ مَكَّةَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: شُقَّ بَطْنَهُ، فَشَقَّ بَطْنِي، فَأَخْرَجَ قَلْبِي، فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَغْمَزَ الشَّيْطَانِ وَعَلَقَ الدَّمِ فَطَرْحَهُمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اغْسِلْ بَطْنَهُ غَسْلَ الْإِنَاءِ وَاغْسِلْ قَلْبَهُ غَسْلَ الْمِلَاءِ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: خِطْ بَطْنَهُ، فَخَاطَ بَطْنِي وَجَعَلَ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيَّ، كَمَا هُوَ الْآنَ، وَوَلَّيَا عَنِّي وَكَأَنِّي أَرَى الْأَمْرَ مُعَايَنَةً". (فَإِذَا) : لِلْمُفَاجَأَةِ، وَكَوْنُ مَا بَعْدَهُ مُفَاجَأَةً بِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ. (هُوَ) : أَيِ الْخَاتَمُ. (مِثْلُ زِرِّ الْحَجَلَةِ) : بِكَسْرِ الزَّايِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ، وَهِيَ بَيْتٌ كَالْقُبَّةِ لَهَا أَزْرَارٌ كِبَارٌ وَعُرًى، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحَجَلَةِ: الطَّائِرُ الْمَعْرُوفُ، يُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ كَبَكْ وَبِالْعَرَبِيَّةِ الْقَبَجَةُ، وِزْرُّهَا: بَيْضُهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الثَّانِي:"مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ"، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ حَجْرٍ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ، عَلَى أَنَّ الْخَطَّابِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَيْضُ مِنْ أَرَزَتِ الْجَرَادَةُ إِذَا كَبَسَتْ ذَنَبَهَا فِي الْأَرْضِ فَبَاضَتْ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَالصَّحِيحُ تَقْدِيمُ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ، وَأَمَّا قَوْلُ التُّورِبِشْتِيُّ: تَقْدِيمُ الرَّاءِ لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ لَا عَلَى أَنَّهُ مُعَلَّلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ: وَكَانَ - أَيِ الْخَاتَمُ - يَنُمُّ أَيْ يَفُوحُ مِسْكًا، وَفِي مُسْلِمٍ: جُمْعَ، بِضَمِّ جِيمٍ وَسُكُونِ مِيمٍ، عَلَيْهِ خِيلَانٌ كَأَنَّهُ الثَّآلِيلُ السُّودُ عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ، بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وَتُفْتَحُ فَمُعْجَمَتَيْنِ: أَعْلَى كَتِفِهِ. وَفِي مُسْلِمٍ أَيْضًا: كَبَيْضَةِ الْحَمَامِ، وَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ: شَعْرٌ مُجْتَمِعٌ مِثْلُ السِّلْعَةِ، بِكَسْرِ السِّينِ قِطْعَةٌ نَاتِئَةٌ، وَلِلْمُصَنِّفِ - كَمَا سَيَأْتِي - بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ وَالْمُصَنِّفِ: كَالتُّفَّاحَةِ، وَلِابْنِ عَسَاكِرَ: كَالْبُنْدُقَةِ، وَلِلسُّهَيْلِيِّ: كَأَثَرِ الْمِحْجَمِ الْقَابِضَةِ عَلَى اللَّحْمِ، وَلِابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ: شَامَةٌ خَضْرَاءُ مُخْتَفَرَةٌ أَيْضًا فِي اللَّحْمِ، وَلَهُ أَيْضًا: شَامَةٌ سَوْدَاءُ تَضْرِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ حَوْلَهَا شَعَرَاتٌ مُتَرَاكِبَاتٌ كَأَنَّهَا عُرْفُ الْفَرَسِ، وَلِلْقَطَاعِيِّ: ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ مُجْتَمِعَاتٍ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ الْحَكِيمِ: كَبَيْضَةِ حَمَامٍ مَكْتُوبٌ بِبَاطِنِهَا: اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِظَاهِرِهَا: تَوَجَّهْ حَيْثُ كُنْتَ فَإِنَّكَ مَنْصُورٌ، وَلِابْنِ عَابِدٍ: كَانَ نُورًا يَتَلَأْلَأُ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَلَيْسَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ مُخْتَلِفَةً حَقِيقَةً بَلْ كُلٌّ شَبَّهَ بِمَا سَنَحَ لَهُ، وَمُؤَدَّى الْأَلْفَاظِ كُلُّهَا وَاحِدٌ; وَهُوَ قِطْعَةُ لَحْمٍ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ شَعْرٌ; فَلِأَنَّ الشَّعْرَ حَوْلَهُ مُتَرَاكِبٌ عَلَيْهِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ كَانَ شَيْئًا بَارِزًا أَحْمَرَ عِنْدَ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ، إِذَا قُلِّلَ جُعِلَ كَبَيْضَةِ الْحَمَامِ، وَإِذَا كُثِّرَ جُعِلَ كَجَمْعِ الْيَدِ، وَقَالَ الْقَاضِي: رِوَايَةُ"جَمْعِ"