فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 1282

فَإِنْ قِيلَ: مَا أَنْكَرْتُمْ مِنْ وُجُوبِ اسْتِخْبَارِ الْمُزَكِّي عَنْ سَبَبِ تَعْدِيلِهِ، لاَ لاِتِّهَامِنَا لَهُ بِالْجَهْلِ بِطَرَائِقِ الْمُزَكَّى وَأَفْعَالِهِ، لَكِنْ لاِجْلِ اخْتِلاَفِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ فِيمَا بِهِ يَصِيرُ الْعَدْلُ عَدْلًا، فَيَجُوزُ أَنْ يُعَدِّلَهُ بِمَا لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ عِنْدَ غَيْرِهِ. يُقَالُ: هَذَا بَاطِلٌ، وَحَمْلُ أَمْرِهِ عَلَى السَّلاَمَةِ وَاجِبٌ، وَأَنَّهُ مَا عَدَّلَهُ إِلاَّ بِمَا بِهِ يَصِيرُ عَدْلًا عِنْدَ بَعْضِ الأُمَّةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ لاَ يُتَعَقَّبُ وَلاَ يُرَدُّ، وَلَوْ كَانَ مَا قُلْتُمُوهُ مِنْ هَذَا وَاجِبًا لَوَجَبَ إِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَنَّ زَيْدًا بَاعَ عَمْرًا سِلْعَةً بَيْعًا صَحِيحًا وَاجِبًا نَافِذًا يَقَعُ التَّمَلُّكُ بِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ تَزْوِيجًا صَحِيحًا، أَنْ يسْأَلاَ عَنْ حَالِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَعَنْ كُلِّ عَقْدٍ يَشْهَدَانِ بِهِ، لِمَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْخِلاَفِ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ وَصِحَّتِهَا وَتَمَامِهَا، ولما اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَجِبُ كَشْفُهُ لِلْحُكَّامِ، وَجَبَ مِثْلُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ أَيْضًا، فَإِنَّ أَسْبَابَ الْعَدَالَةِ كَثِيرَةٌ يَشُقُّ ذِكْرُ جَمِيعِهَا، وَلَوْ وَجَبَ عَلَى الْمُزَكِّي الأَخْبَارُ بِهَا لَكَانَ يُحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَقُولَ الْمُزَكِّي: هُوَ عَدْلٌ لَيْسَ يَفْعَلُ كَذَا، وَلاَ كَذَا، وَيَعُدُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: وَيَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا، فيَعُدُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ. وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَطُولُ وَيَشُقُّ تَفْصِيلُهُ، وَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ التَّعْدِيلُ مُجْمَلًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَجِبُ عَلَيْكُمْ تَرْكُ الْكَشْفِ عَمَّا بِهِ يَصِيرُ الْمَجْرُوحُ مَجْرُوحًا، وَأَنْ تَقْبَلُوا الْجَرْحَ فِي الْجُمْلَةِ، يُقَالُ: لاَ يَجِبُ ذَلِكَ، لاِنَّ الْجَرْحَ يَحْصُلُ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ، فَلاَ يَشُقُّ ذِكْرُهُ، وَالْعَدَالَةُ لاَ تَحْصُلُ إِلاَّ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ، حَسَبَ مَا بَيَّنَّاهُ، وَالأَخْبَارُ بِهَا يُحْرِجُ، فَلِذَلِكَ كَانَ الإِجْمَالُ فِيهَا كَافِيًا، عَلَى أَنَّا نَقُولُ أَيْضًا: إِنْ كَانَ الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْجَرْحِ عَدْلًا مَرْضِيًّا فِي اعْتِقَادِهِ وَأَفْعَالِهِ، عَارِفًا بِصِفَةِ الْعَدَالَةِ وَالْجَرْحِ وَأَسْبَابِهِمَا، عَالِمًا بِاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي أَحْكَامِ ذَلِكَ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِيمَنْ جَرَحَهُ مُجْمَلًا، وَلَمْ يُسْأَلْ عَنْ سَبَبِهِ، وَسَنَشْرَحُ الأُمُورَ الَّتِي تُوجِبُ الْجَرْحَ وَاخْتِلاَفَ النَّاسِ فِيهَا، وَنُبَيِّنُهَا فِيمَا بَعْدُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت