وبتصور هذا الفصل تزول الشبهة فيما يرى من الأفعال منسوبًا إلى الله تعالى منفيًا عن العبد ومنسوبًا إلى العبد تارة منفيًا عن الله تعالى نحو قوله تعالى {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} وقوله تعالى {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} وقوله تعالى {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} وبيان ذلك أن الفعل الذي تباشره يعتبر على وجهين أحدهما بالإضافة إلى مباشره فيقال فعل فلان كذا ولم يفعل كذا والثاني الاعتبار بميسره والمقدر له والموفق لسبيله وأنه لولا سوابق نعمه لما وجد ذلك بل ما وجد شيء من أفعالنا وذواتنا وأنه تعالى السبب الأوّل الذي يصح ارتفاع ما سواه ولا يصح ارتفاعه. تعالى علوًا كبيرًا فإذا النظر إلى أفعالنا وإلى من يسرها لنا نظران نظر من أفعالنا إلى فعل الباري فيتوصل بها إلى معرفته ونظر من إنعامه علينا بقوانا وتسهيل سبيلنا إلى إيجاد أفعالنا وهذا الثاني لا سبيل إلى تصوره لمن لم يوفق في الأول ولم يجعله ذريعة إلى الوصول إلى هذا وبهذا السبيل دعا الناس إلى الإيمان فقال {آمِنُوا بِاللَّهِ} {مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} فلما نبأهم عرفهم أن ذلك كله بتوفيقه فقال تعالى {قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ} وقال تعالى {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} فلما علم تعالى أن قد صار لهم قوة يمكنهم أن ينظروا من آلائه إلى أفعالهم قال تعالى {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} فأضاف أفعالهم إلى نفسه عند تناهي معارفهم بخلاف ما فعل في الأول فإذا تقررت هذه الجملة علم أنه لا فاعل في الحقيقة منفردًا غير الله تعالى إذ كل فاعل يحتاج إلى معاون على ما تقدم البيان فيها والله تعالى كل أفعاله إبداع لا في مادة ولا من شيء ولا على مثال ولا في زمان ولا في مكان ولا بآلة ولا بمرشد ومعين فهو الفاعل الحقيقي وما سواه فاعل على