فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 40

أعترض بعض الناس فقال كيف وصف القرآن بالبيان فقال تعالى {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} وقال {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} وقال {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} وقال {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ} وقد علم ما فيه من الأشكال والمتشابه وما يجرى مجرى الرموز نحو قوله تعالى {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} وقوله {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} وقد وصفه تعالى بالمتشابه وبأنه لا يعلم تأويله إلا هو. فالجواب أن البيان المشترط فيه إنما هو بالإضافة إلى أعيان أهل الكتاب لا إلى كل من يستمعه ممن دب ودرج فقد علمنا أن ذلك ليس ببيان لمن ليس من أهل العربية ثم أحوال أهل العربية مختلفة في معرفته ولو كان البيان لا يكون بيانًا حتى يعرفه العامة لأدى إلى أن يكون البيان في كلام السوقي العامي أو إلى أن لا يكون بيانًا بوجه إذ كل كلام بالإضافة إلى قوم بيان وبالإضافة إلى آخرين ليس ببيان وقد علم أن قوله تعالى {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} وقوله {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} من أشرف كلام ولاحظ في معرفته لمن لم يتوفر نصيبه من البلاغة وكذلك قول الشاعر

* فاقطع ليانة من تعرض وصله *

وقول الآخر

وما المرء ما دامت حشاشة نفسه . . . بمدرك أطراف الخطوب ولا آل

من أفصح كلام ولا يعرفه جميع الأنام ثم أن القرآن وإن كان في الحقيقة هداية للبرية فإنهم لن يتساووا في معرفته وإنما يخطئون به بحسب درجاتهم واختلاف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت