وقد قرنهما بلفظ واحد وعلى ذلك قوله تعالى {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} قيل عني بذلك الغني بالكفاية والغني بالقناعة معًا وأمثال ذلك في القرآن أكثر من أن تحصى ههنا ولمثل هذه المعاني المجتمعة فيه قال تعالى {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} وعلى ذلك روى في الخبر لكل حرف ظهر وبطن ولكل حرف حد ومطلع تنبيها على كثرة معانيه المجتمعة تحت اللفظة بعد اللفظة.
المعجزات التي أتى بها الأنبياء عليهم السلام ضربان حسي وعقلي فالحسي ما يدرك بالبصر كناقة صالح وطوفان نوح ونار إبراهيم وعصى موسى عليهم السلام والعقلي ما يدرك بالبصيرة كالأخبار عن الغيب تعريضًا وتصريحًا والإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن غير تعلم فأما الحسي فيشترك في إدراكه العامة والخاصة وهو أوقع عند طبقات العامة وآخذ بمجامع قلوبهم وأسرع لإدراكهم إلا أنه لا يكاد يفرق بين ما يكون معجزة في الحقيقة وبين ما يكون كهانة أو شعبذة أو سحرًا أو سببًا اتفاقيا أو مواطأة أو احتيالا هندسيًا أو تمويهًا وافتعالا إلا ذو سعة في العلوم التي يعرف بها هذه الأشياء وأما العقلي فيختص بإدراكه كملة الخواص من ذوي العقول الراجحة والإفهام الثاقبة والروية المتناهية الذين يفنيهم إدراك الحق وجعل تعالى أكثر معجزات نبي إسرائيل حسيًا لبلادتهم وقلة بصريتهم وأكثر معجزات هذه الأمة عقليًا لذكائهم وكمال إفهامهم التي صاروا بها كالأنبياء ولذلك قال عليه الصلاة والسلام كادت أمتي أن تكون أنبياء ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على وجه الدهر غير معرضة للنسخ وكانت العقليات باقية غير مبتذلة جعل أكثر معجزاتها مثلها باقية وما أتى به