التخصيص قد يكون في الخبر والنسخ لا يكون فيه والتخصيص إخراج ما لم يرد بالخطاب من الأعيان والمعاني والأمكنة والنسخ إخراج ما لم يرد من الحكم في بعض الأزمنة والتخصيص في الأكثر مقرون بالمخصوص لفظًا أو تقدير أو النسخ لا يكون إلا متأخرًا عن المنسوخ ومتى أقترن به سمي تخصيصًا وكان النسخ في الحقيقة ضربًا من التخصيص إلا إنهما في المتعارف مختلفان وقد تصور عدة ممن صنفوا في النسخ بعض ما هو بيان للمجمل أو تخصيص للعام بصورة الناسخ وذلك نحو قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} قال بعضهم نسخ ذلك بقوله {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} وهذا بيان ما ليس بظلم من أكل ما لهم ونحو قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} قال فلم تحرم ثم قال تعالى {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ} الآية وهذا أيضًا بيان للأول وذاك أن ما كانت مضرته أكثر من نفعه فالعقل بالجملة يقتضي تجنبه ولكن لما كان ذلك غير صريح أكده بالآية الأخرى ومن التخصيص الذي يعد نسخًا قوله تعالى {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} مع قوله تعالى {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} وعلى هذا ما حكي أنه لما نزل قوله تعالى {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} شق ذلك على بعض أولى الضرر فنزل قوله تعالى {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} مقرونًا بقوله تعالى {الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} وهذا القدر يدل على كثير مما ذكروه من أمثال ذلك.
اختلفوا في ذلك فذهب عامة المتكلمين إلى أن كل القرآن يجب أن يكون معلومًا وإلا أدّى إلى بطلان فائدة الانتفاع به وأن لا معنى لإنزاله وحملوا قوله تعالى {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}