عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الذين شهدوا التنزيل من الصحابة - رضي الله عنهم - أو عن الذين أخذوا عنهم من التابعين واحتجوا في ذلك بما روي عنه عليه السلام من فسر القرآن برأيه فليتبوء مقعده من النار وقوله عليه السلام من فسر القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ وفي خبر من قال في القرآن برأيه فقد كفر وبما روي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي وذكر آخرون أن من كان ذا أدب وسيع فموسع له أن يفسره فالعقلاء الأدباء فوضى فوضى في معرفة الأغراض واحتجوا في ذلك بقوله تعالى {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} وذكر بعض المحققين أن المذهبين هما الغلو والتقصير فمن اقتصر على القول إليه فقد ترك كثيرًا مما يحتاج إليه ومن أجاز لكل أحد الخوض فيه فقد عرضه للتخليط ولم يعتبر حقيقة قوله تعالى {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} والواجب أن يبين أولًا ما ينطوي عليه القرآن وما يحتاج إليه المفسر من العلوم فنقول وبالله التوفيق إن جميع شرائط الإيمان والإسلام التي دعينا إليها واشتمل القرآن عليها ضربلتن علم غايته الاعتقاد وهو الإيمان بالله وملائكته وكتيه ورسله واليوم الآخر وعلم غايته العمل وهو معرفة أحكام الدين والعمل به والعلم مبدأ تمام ولا يتم العلم من دون العمل ولا يخلص العمل من دون العلم ولذلك لم يفرد تعالى أحدهما من الآخر في عامة القرآن نحو قوله تعالى {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا} وقوله {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} وقوله تعالى {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} ولا يمكن تحصيل هذين إلا بعلوم لفظية وعقلية وموهبية. فالأول معرفة الألفاظ وهو علم اللغة. والثاني مناسبة بعض الألفاظ إلى بعض وهو الاشتقاق. والثالث معرفة أحكام ما يعرض للألفاظ من الأبنية والتصاريف والإعراب وهو النحو. والرابع ما يتعلق بذات التنزيل