أن ذلك ليس بشعر فإن وزن الشعر أظهر من أن يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى أن ينفي عنه ولأجل شهرة الشعر بالكذب سمي أصحاب البراهين الأقية المؤدية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعر به وما وقع في القرآن من الألفاظ متزنة فذلك بحسب ما يقع في الكلام على سبيل العرض بالاتفاق وقد تكلم الناس فيه وأما الإعجاز المتعلق بصرف الناس عن معارضته فظاهر أيضًا إذا أعتبر وذلك أنه ما من صناعة ولا فعلة من الأفعال محمودة كانت أو مذمومة إلا وبينها وبين قوم مناسبات خفية واتفاقية إلهية بدلالة أن الواحد يؤثر حرفة من الحرف لينشرح صدره بملابستها وتطيعه قواه في مزاولتها فيقبلها باتساع قلب ويتعاطاها بانشراح صدر وقد تضمن ذلك قوله تعالى {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -"أعملوا فمل ميسر لما خلق له"فلما رؤي أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كل واد من المعاني بلاطة ألسنتهم وقد دعا الله جماعتهم إلى معارضة القرآن وعجزهم عن الإتيان بمثله وليس تهتز غرائزهم البتة للتصدي لمعارضته لم يخف على ذي لب إن صارفا إلهيا بصرفهم عن ذلك وأي إعجاز أعظم من أن تكون كافة البلغاء مخيرة في الظاهر أن يعارضوه ومجبرة في الباطن عن ذلك وما أليقهم بإنشاد ما قال أبو تمام.
فإن نك أهملنا فاضعف بسعينا . . . وإن نك أجبرنا ففيم نتعتع
والله ولي التوفيق