هذا التصريح لو صدر عن فيلسوف يشتغل بشئون الإصلاح الخلقى فحسب لما كان مستغربا منه، إنما وجه العجب أن يصدر عن مؤسس دين كبير. والأديان ـ عادة ـ ترتكز في حقيقتها الأولى على التعبد المحض. ونبى الإسلام دعا إلى عبادات شتى، وأقام دولة ارتكزت على جهاد طويل ضد أعداء كثيرين، فإذا كان ـ مع سعة دينه، وتشعب نواحى العمل أمام أتباعه ـ يخبرهم بأن أرجح ما في موازينهم يوم الحساب، الخلق الحسن. فإن دلالة ذلك على منزلة الخلق في الإسلام لا تخفى.. والحق أن الدين إن كان خلقا حسنا بين إنسان وإنسان، فهو في طبيعته السماوية صلة حسنة بين الإنسان وربه، وكلا الأمرين يرجع إلى حقيقة واحدة. إن هناك أديانا تبشر بأن اعتناق عقيدة ما، يمحو الذنوب، وأن أداء طاعة معينة يمسح الخطايا. لكن الإسلام لا يقول هذا، إلا أن تكون العقيدة المعتنقة محورا لعمل الخير. وأداء الواجب، وأن تكون الطاعة المقترحة غسلا من السوء. وإعدادا للكمال المنشود، أى أنه لا يمحق السيئات إلا الحسنات التى يضطلع بها الإنسان، ويرقى صعدا، إلى مستوى أفضل. وقد حرص النبى على توكيد هذه المبادئ العادلة، حتى تتبينها أمته جيدا، فلا تهون لديها قيمة الخلق، وترتفع قيمة الطقوس. عن أنس قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، وأشرف المنازل. وانه لضعيف العبادة، وإنه ليبلغ بسوء خلق أسفل درجة في جهنم". وعن عائشة رضى الله عنها قالت: سمعتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:"إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم"وفى رواية:"إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجات قائم الليل وصائم النهار". وعن ابن عمر: سمعتُ رسول الله يقول:"إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصوام القوام بآيات الله، بحسن خلقه وكريم طبيعته". وروى أبو هريرة عن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال:"كرم المؤمن دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه". ص _015