الصفحة 17 من 209

الإسلام ـ كسائر رسالات السماء ـ يعتمد في إصلاحه العام على تهذيب النفس الإنسانية قبل كل شيء، فهو يكرس جهودا ضخمة للتغلغل في أعماقها وغرس تعاليمه في جوهرها حتى تستحيل جزءا منها. وما خلدت رسالات النبيين وكونت حولها جماهير المؤمنين إلا لأن"النفس الإنسانية"كانت موضوع عملها ومحور نشاطها، فلم تكن تعاليمهم قشورا ملصقة فتسقط في مضطرب الحياة المتحركة، ولا ألوانا مفتعلة، تبهت على مر الأيام. لا.. لقد خلطوا مبادئهم بطوايا النفس، فأصبحت هذه المبادئ قوة تهيمن على وساوس الطبيعة البشرية، وتتحكم في اتجاهاتها. وربما تحدثت رسالات السماء عن المجتمع وأوضاعه، والحكم وأنواعه، وقدمت أدوية لما يعرو هذه النواحى من علل. ومع ذلك فالأديان لن تخرج عن طبيعتها في اعتبار النفس الصالحة هى البرنامج المفصل لكل إصلاح، والخلق القوى هو الضمان الخالد لكل حضارة. وليس في هذا تهوين ولا غض من عمل الساعين لبناء المجتمع والدولة، بل هو تنويه بقيمة الإصلاح النفسى في صيانة الحياة وإسعاد الأحياء. فالنفس المختلة، تثير الفوضى في أحكم النظم، وتستطيع النفاذ منه إلى أغراضها الدنيئة، والنفس الكريمة، ترقع الفتوق في الأحوال المختلة ويشرق نبلها من داخلها، فتحسن التصرف والمسير، وسط الأنواء والأعاصير. إن القاضى النزيه، يكمل بعدله نقص القانون الذى يحكم به، أما القاضى الجائر فهو يستطيع الميل بالنصوص المستقيمة، وكذلك نفس الإنسان حين تواجه ما في الدنيا من تيارات وأفكار، ورغبات ومصالح. ومن هنا كان الإصلاح النفسى، الدعامة الأولى لتغليب الخير في هذه الحياة . ص _021

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت