الصفحة 161 من 209

تقوم شرائع الإسلام وآدابه على اعتبار الفرد جزءا لا ينفصم من كيان الأمة، وعضوا موصولا بجسمها لا ينفك عنها، فهو ـ طوعا أو كرها ـ يأخذ نصيبه مما يتوزع على الجسم كله من غذاء ونمو وشعور . . وقد جاء الخطاب الإلهى مُقرا هذا الوضع، فلم يتجه للفرد وحده بالأمر والنهى، إنما تناول الجماعة كلها بالتأديب والإرشاد، ثم من الدرس الذى يلقى على الجميع يستمع الفرد وينتصح. وهكذا أطرد سياق التشريع في الكتاب والسنة . (يا أيها الذين آمنوا اركعوا و اسجدوا و اعبدوا ربكم و افعلوا الخير لعلكم تفلحون ، وجاهدوا في الله حق جهاده) . فإذا وقف المسلم بين يدى الله ليناجيه ويتضرع إليه لم تجر العبادة على لسانه كعبد منفصل عن إخواته، بل كطرف من مجموع متسق مرتبط يقول: (إياك نعبد وإياك نستعين ) لا: إياك أعبد وإياك أستعين !! ثم يسأل الله من خيره وهداه فلا يختص نفسه بالدعاء، بل يطلب رحمة الله له ولغيره، فيقول (اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ) . إن الله عز وجل لم يخلق الناس لينقسموا ويختلفوا.. لقد شرع لهم دينا واحدا وأرسل أنبياءه تترى ليقودوا الناس كافة في طريق واحد، وحرم عليهم من الأزل أن يصدعوا الدين، وأن يتفرقوا حوله عزين . بيد أن الشهوات المتنزية تناست هذه الوصية الكريمة، وتنكرت للتراث الإلهى العظيم، فانقسم الناس أحزابا، وصار كل حزب يكيد للآخر ويتربص به . قال تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ، وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ، فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون ، فذرهم في غمرتهم حتى حين) . وبين الله عز وجل أن اتباع الهوى ومتابعة البغى هو سر هذا الافتراق الواسع. ص _165

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت