والحق أن العلم عندما ينفصل عن الخلق، ويفارقه الإخلاص يمسى وبالا على أهله وعلى الناس.. وقد كان الناس قبل الدين يضلهم الجهل في شعابه الحائرة. فلما جاء الدين واستبد به دهاقينه، وتاجروا بعلومه لأنفسهم ومطامعهم تاهت جماهير العامة في سبل جائرة !. وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستعيذ بالله من علم لا ينفع. وقال:"إن أخوف ما أخاف عليكم بعدى منافق عليم اللسان". أجل، إن القلب الخرب يجعل من العلم سلاحا للفساد. وقد تأذى العالم في القديم والحديث من هذا العلم المدمر. ونبزنا الله عز وجل أن العلماء بألسنتهم لا بأفئدتهم هم الذين مزقوا شمل البشر: قال جل شأنه:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) ثم قال"وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم". وقال"وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم". فانظر إلى ضراوة العلم عندما يفقد الإخلاص لله والرفق بالعباد، كيف يثير الفرقة، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل . إن اختلاف الأفهام واشتجار الآراء ليس بمستغرب في الحياة، ولكن ليس هذا سبب التقاطع والشقاق. إنما يعود سبب الشقاق إلى انضمام عوامل أخرى. تستغل تباين الأنظار والأفكار للتنفيس عن أهواء باطنة . ومن ثم ينقلب البحث عن الحقيقة إلى ضرب من العناد لا صلة له بالعلم البتة . ولو تجردت النيات للبحث عن الحقيقة، وأقبل روادها وهم بعداء عن طلب الغلب، والسمعة، والرياسة، والثراء ؛ لصفيت المنازعات التى ملأت التاريخ بالأكدار والمآسى . وقد لحظنا أن هناك توافه ضخم الخلاف فيها وامتد لأن هذا الخلاف اقترن ابتداء بمنافع سياسية . على حين انكمش الخلاف في مسائل مهمة، وتُركت وجهات النظر ترسو حيث شاءت، لأن نتائج هذا الخلاف"