للصداقات الخاصة أثر عميق في توجيه النفس والعقل. ولها نتائج مهمة فيما يصيب الجماعة كلها من تقدم أو تأخر، ومن قلق أو اطمئنان . وقد عُنى الإسلام بهذه الصلات التى تربطك بأشخاص يؤثرون فيك ويتأثرون بك ويقتربون من حياتك اقترابا خطيرا لأمد طويل . إن هذه الصلات إن بدأت ونمت نبيلة خالصة تقبلها الله وباركها، وإن كانت رخيصة مهينة ردها في وجوه أصحابها: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ، يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون) . إن الإسلام ـ كما علمت ـ دين تجمع وألفة، ونزعة التعرف إلى الناس والاختلاط بهم أصيلة في تعاليمه. وهو لم يقم على الاستيحاش، ولا دعا أبناءه إلى العزلة العامة، والفرار من تكاليف الحياة، ولا رسم رسالة المسلم في الأرض على أنها انقطاع في دير، أو عبادة في صومعة. كلا، كلا. فإن الدرجات العالية لم يُعدها الله عز وجل لأمثال أولئك المنكمشين الضعاف: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ"المؤمن الذى يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذى لا يُخالط الناس ولا يصبر على أذاهم". لمن شرعت الجماعات ؟ وعلى من فرضت الجمعة ؟ ومن الذى يحمل أعباء الجهاد ويعين في أزماته الكالحة ؟ أن ذلك يستلزم أمة توثقت فيها العلاقات الخاصة والعامة إلى حد بعيد . ولذلك أجاب ابن عباس عندما سُئل مرارا عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولكنه لا يحضرُ الجمعة ولا الجماعات، فقال: خبروه أنه من أهل النار . ذلك أن الإسلام شديد الحرص على أن تكون شعائره العظمى مثابة يلتقى المسلمون عندها ليتعاونوا على أدائها، ويستوحوا من جوها الطهور عواطف الود المصفى، والإخلاص العميق . ص _173