الصفحة 117 من 209

"والصبر ضياء".

إذا استحكمت الأزمات وتعقدت حبالها، وترادفت الضوائق وطال ليلها، فالصبر وحده هو الذى يشع للمسلم النور العصم من التخبط، والهداية الواقية من القنوط. والصبر فضيلة يحتاج إليها المسلم في دينه ودنياه، ولابد أن يبنى عليها أعماله وآماله وإلا كان هازلا.. يجب أن يوطن نفسه على احتمال المكاره دون ضجر، وانتظار النتائج مهما بعدت، ومواجهة الأعباء مهما ثقلت، بقلب لم تعلق به ريبة، وعقل لا تطيش به كُربة، يجب أن يظل موفور الثقة بادى الثبات، لا يرتاع لغيمة تظهر في الأفق ولو تبعتها أخرى وأخرى، بل يبقى موقنا بأن بوادر الصفو لابد آتية، وأن من الحكمة ارتقابها في سكون ويقين . وقد أكد الله أن ابتلاء الناس لا محيص عنه، حتى يأخذوا أهبتهم للنوازل المتوقعة، فلا تذهلهم المفاجآت ويضرعوا لها . (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم) . وذلك على حد قول الشاعر: عرفنا الليالى قبل ما نزلت بنا فلما دهتنا لم تزدنا بها علما ! ولا شك أن لقاء الأحداث ببصيرة مستنيرة واستعداد كامل أجدى على الإنسان، وأدنى إلى إحكام شئونه. قال تعالى: (وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) . * * * والصبر يعتمد على حقيقتين خطيرتين: أما الأولى فتتعلق بطبيعة الحياة الدنيا، فإن الله لم يجعلها دار جزاء وقرار بل جعلها دار تمحيص وامتحان، والفترة التى يقضيها المرء بها فترة تجارب متصلة الحلقات يخرج من امتحان ليدخل في امتحان آخر، قد يغاير الأول مغايرة تامة، أى أن الإنسان قد يمتحن بالشيء وضده، مثلما يصهر الحديد في النار ثم يرمى في الماء. وهكذا . ص _121

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت