الصفحة 118 من 209

وكان سليمان عالما بطبيعة الدنيا عندما رزق التمكين الهائل فيها فقال: (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم) . والابتلاء بالأحزان مبهم الأسباب ! ويحسن أن نفهم أن أوضع الناس في الحياة كجيش عبئ للقتال، وقد تكلف بعض فرقه بالقتال حتى الموت، لإنقاذ فرق أخرى، وإنقاذ الفرق الباقية يكون للقذف بها في معارك جديدة، ترسمها القيادة حسبما توحى به المصلحة الكبرى، فتقدير فرد ما في هذه الغمار المائجة لا ينظر إليه، لأن الأمر أوسع مدى من أن يرتبط بكيان فرد معين . كذلك قد يكتب القدر على البعض صنوفا من الابتلاء ربما انتهت بمصارعهم . وليس أمام الفرد إلا أن يستقبل البلاء الوافد بالصبر والتسليم، وما دامت الحياة امتحانا فلنكرس جهودنا للنجاح فيه . وامتحان الحياة ليس كلاما يكتب أو أقوالا توجه، إنه الآلام التى قد تقتحم النفس وتفتح إليها طريقا من الرعب والحرج، إنها النقائض التى تجعل الدنيا تتخم بطون الكلاب، وتنيم صديقين على الطوى، إنها المظالم التى تجعل قوما يدعون الألوهية، وآخرين يستشهدون وهم يدافعون عن حقوقهم المنهوبة . إن تاريخ الحياة من بدء الخلق إلى اليوم مؤسف ! ومن الحق أن يشق المرء طريقه في الحياة وهو موقن بأنه غاص بالأشواك والأقذاء . وأما الحقيقة الأخرى فتتعلق بطبيعة الإيمان: فالإيمان صلة بين الإنسان وبين الله عز وجل، وإذا كانت صلات الصداقة بين الناس لا يُعتد بها ولا ينوه بشأنها إلا إذا أكدها مر الأيام، وتقلب الليالى، واختلاف الحوادث، فكذلك الإيمان، لابد أن تخضع صلته للابتلاء الذى يمحصها، فإما كشف عن طيبها، وإما كشف عن زيفها . قال الله تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) . ص _122

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت