الصفحة 186 من 209

الرحمة كمال في الطبيعة يجعل المرء يرق لآلام الخلق ويسعى لإزالتها، ويأسى لأخطائهم فيتمنى لهم الهدى. هى كمال في الطبيعة لأن تبلد الحس يهوى بالإنسان إلى منزلة الحيوان ويسلبه أفضل ما فيه، وهو العاطفة الحية النابضة بالحب والرأفة ، بل إن الحيوان قد تجيش فيه مشاعر مبهمة تعطفه على ذراريه، ومن ثم كانت القسوة ارتكاسا بالفطرة إلى منزلة البهائم، بل إلى منازل الجماد الذى لا يعى ولا يهتز. والرحمة في أفقها الأعلى وامتدادها المطلق صفة المولى تباركت أسماؤه! فإن رحمته شملت الوجود وعمت الملكوت. فحيثما أشرق شعاع من علمه المحيط بكل شىء أشرق معه شعاع للرحمة الغامرة، ولذلك كان من صلاة الملائكة له: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) . وعن عمر بن الخطاب: قدم على رسول الله بسبى فإذا امرأة من السبى تسعى قد تحلب ثديها، إذا وجدت صبيا في السبى أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله- وهى تقدر على أن لا تطرحه!- قال: فالله تعالى أرحم بعباده؟ من هذه بولدها . وكثير من أسماء الله الحسنى ينبع من معانى الرحمة والكرم والفضل والعفو. وقد جاء في الحديث القدسى:"إن رحمتى تغلب غضبى"، أى أن تجاوزه عن خطايا البشر يسبق اقتصاصه منهم وسخطه عليهم وبذلك كان أفضل الرحماء: (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين) . ما ترى في الأرض من تواد وبشاشة وتعاطف وبر أثر من رحمة الله التى أودع جزءا منها في قلوب الخلائق، فأرق الناس أفئدة أوفرهم نصيبا من هذه الرحمة وأرهفهم إحساسا بحياة الضعفاء . أما غلاظ الأكباد من الجبارين والكازين والمستكبرين فهم في الدرك الأسفل من النار. وفى الحديث:".. إن أبعد الناس من الله تعالى القاسى القلب". وكان رسول الله يعد جمود العين واستغلاق القلب من الشقاء . ص _190

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت