ولقد أراد الله أن يمتن على العالم برجل يمسح آلامه، ويخفف أحزانه، ويرثى لخطاياه، ويستميت في هدايته، ويأخذ بناصر الضعيف، ويقاتل دونه قتال الأم عن صغارها، ويخضد شوكة القوى حتى يرده إنسانا سليم الفطرة لا يضرى ولا يطغى.. فأرسل"محمدا"ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وسكب في قلبه من العلم والحلم، وفى خلقه من الإيناس والبر، وفى طبعه من السهولة والرفق، وفى يده من السخاوة والندى، ما جعله أزكى عباد الله رحمة، وأوسعهم عاطفة، وأرحبهم صدرا. ولذلك قال فيه: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) . وقد لازمته هذه الفضائل العذبة في أعصب الساعات عندما حاول المشركون فى"أحد"اغتياله، وألجأوه إلى حفرة ليُكب فيها: ونظر إلى زهرة أصحابه فوجدهم مضرجين بدمائهم على الثرى، ونظر إليه بقية أصحابه فإذا خده قد شق وسنه قد سقطت.. في هذه الأزمة قيل له: ادع على المشركين ؛ فغلبه رفقه وجعلت نفسه العالية تستميح لأعدائه العذر: فكان دعاؤه."اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون". إن القلوب الكبيرة قلما تستجيشها دوافع القسوة فهى أبدا إلى الصفح والحنان أدنى منها إلى الحفيظة والأضغان . إن القسوة في خلق إنسان دليل نقص كبير، وفى تاريخ أمة دليل فساد خطير.. فلا عجب إذا حذر الإسلام منها واعتبرها علة الفسق عن أمر الله، وسر الشرود عن صراطه المستقيم: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون) . وقد أمر الإسلام بالتراحم العام. وجعله من دلائل الإيمان الكامل، فالمسلم يلقى الناس قاطبة وفى قلبه لهم عطف مذخور وبر مكنون، فهو يوسع لهم ويخفف عنهم جهد ما يستطيع: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لن تؤمنوا حتى ترحموا ، قالوا: يا رسول الله ، كلنا رحيم . قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ، ولكنها رحمة العامة"