الصفحة 188 من 209

". ص _191"

أجل، فإن الرجل قد يهش لأصدقائه حين يلقاهم، وقد يرق لأولاده حين يراهم، وذلك أمر يشيع بين الكثير. بيد أن المفروض في المؤمن أن تكون دائرة رحمته أوسع، فهو يبدى بشاشته، ويظهر مودته ورحمته لعامة من يلقى . . وقد جاءت الأحاديث تترى حاثة على هذه الرحمة الشاملة. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"من لا يرحم الناس لا يرحمه الله"زاد في رواية"ومن لا يغفر لا يُغفر له". وقال:"من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء". وقال:"طوبى لمن تواضع في غير منقصة ، وذل في نفسه من غير مسألة ، وأنفق مالا جمعه في غير معصية ، ورحم أهل الذلة والمسكنة ، وخالط أهل الفقه والحكمة". والذلة في غير مسنة تعنى السكينة للمؤمنين والليونة معهم، وقد وصف الله المجتمع المسلم أنه متماسك بهذا العطف المتبادل فقال عن أهله: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) . وقال: (أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) . وقد تسأل ما معنى ذكر الشدة في سياق الحديث عن الرحمة؟ والحق أن الإسلام يوصى بالرحمة العامة لا يستثنى منها إنسانا ولا دابة ولا طيرا. والنصوص التى سلفت تؤيد هذا الشمول. بيد أن هناك من الناس والدواب من يكون مصدر خطر على غيره ومثار رعب وفزع، فيكون من رعاية الصالح العام للجماعة كلما أن يحبس شره، ويحاصر ضرره. وقد تكون الشدة معه رحمة به كذلك وتقويما لعوجه. والإسلام رسالة خير وسلام وعطف على البشر كلهم. وقد قال الله لرسول: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وسور القرآن الكريم مٌفتتحة كلها بـ"بسم الله الرحمن الرحيم". لكن ذئاب البشر أبوا إلا اعتراض الرحمة المرسلة ؛ ووضع الجنادل في مجراها حتى تنقطع عن الناس مواردها، فيهلكوا بعيدا عنها في أودية الحيرة والجهالة. فلم يكن به من إزالة هذه العوائق، والأغلاظ لأصحابها ويوم ينقطع تعرضهم وتحديهم ص _192

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت