الصفحة 194 من 209

لها به". لئن كانت الرحمة بكلب تغفر ذنوب البغايا، فإن الرحمة بالبشر تصنع العجائب . ص _197"

طبيعة الإسلام تفرض على الأمة التى تعتنقه أن تكون أمة متعلمة ترتفع فيها نسبة المثقفين، وتهبط أو تنعدم نسبة الجاهلين . ذلك لأن حقائق هذا الدين ـ من أصول أو فروع ـ ليست طقوسا تنقل بالوراثة، أو تعاويذ تشيع بالإيحاء، وتنتشر بالإيهام. كلا. إنها حقائق تستخرج من كتاب حكيم، ومن سنة واعية ! وسبيل استخراجها لا يتوقف على القراءة المجردة، بل لابد من أمة تتوافر فيها الأفهام الذكية والأساليب العالية، والآداب الكريمة. ولاشك أن مدارسة مناهج الإسلام تخلق في أى أمة تعنى بها جوا من الفقه التشريعى القادم على الأوامر والنواهى ـ أى بالحقوق والواجبات ـ وجوا من الآداب الاجتماعية الدقيقة المتعلقة بقاعدة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وجوا من البحث الصحيح والاجتهاد المخلص، لمد رواق الإسلام على ما تفد به الأعصار من أقضية شتى وشئون متجددة . فإذا قلت هذه العناصر في بيئة ما اضمحل أمر الإسلام وذبلت أغصانه كما تبلى الشجرة الباسقة في أرض ذهب خصبها وجف ماؤها . وهناك بعد ذلك التفكير في الكون اطرد الأمر به في سور القرآن واعتبر الأساس الأول لإقامة إيمان ثابت وطيد. إن هذا التفكير هو الذى فتق الأذهان عن روائع الحضارة الحديثة، ويسر للدنيا هذه الكشوف الجليلة لأسرار الوجود، وسخر للناس ما لم يكونوا يحلمون به. ثم هناك أيضا التوصية باتباع الحق وحده والبحث عنه مهما خفى، واستنكار الظنون العائمة، والنهى عن الجرى وراءها ووضع رقابة محكمة على السمع والبصر والفؤاد. إن هذا كفيل بإيجاد مجتمع بعيد عن الخرافات ميزه عن الأوهام والمساخرة لا مجتمع يفيض بالشعوذة تتركز فيه الأراجيف والترهات، وتحكمه تقاليد غامضة ما أنزل الله بها من سلطان . إن العلم للإسلام كالحياة للإنسان، ولن يجد هذا الدين مستقرا له إلا عند أصحاب المعارف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت