الناضجة والألباب الحصيفة. ص _198
ولأمر ما يقول الله عنه: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب) . ويقول مصورا أحاديث أهل جهنم: (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) . ويقول فيمن طمست مشاعرهم وماتت مواهبهم واستغلقت أذهانهم: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون) . إن الله شرف الحياة بالإسلام بعد ما بلغت رشدها ونمت قواها واستعدت لأن تتلقى منه أزكى التعاليم وأرقاها فكان جميعه ملائما لتطور الحياة نحو الكمال، بل كان هو شوطا واسعا في الخطو بها نحو الرقى المادى والأدبى . وأنت إذا نظرت إلى الصلاة ـ وهى العبادة الأولى في الإسلام ـ وجدت أداءها والأذان لها عملا عقليا بحتا فالدعوة إلى الصلاة كلمات تقرع العقل وتوقظ القلب ؛ تكبير لله، وشهادة بتوحيده، وحثا على الفلاح . وليست جرسا يرسل رنينه في الفضاء ويخاطب المشاعر المبهمة، والصلاة نفسها آيات تتلى من كتاب جامع لعزائم الخير ودلائل الرشد، ومدى قبولها مقرون بصحو الفكر في إقامتها وتدبر العقل لمعانيها . والحق أنه على قدرة ذكاء الشخص واستنارته واستقامة فطرته رسوخ قدمه في الإسلام، وهيهات أن يسبق في هذا الدين بليد الرأى سقيم الوجدان . إن أول ما نزل من آيات القرآن قول الله لنبيه: (اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم) . وهذه أول صيحة تسمو بقدر القلم وتنوه بقيمة العلم وتعلن الحرب على الأمية الغافلة، وتجعل اللبنة الأولى في بناء كل رجل عظيم أن يقرأ وأن يتعلم. وسما الله ص _199