كل مفقود عسى أن تسترجعه، إلا الوقت، فهو إن ضاع لم يتعلق بعودته أمل، ولذلك كان الوقت أنفس ما يملكه إنسان، وكان على العاقل أن يستقبل أيامه استقبال الضنين للثروة الرائعة، لا يفرط في قليلها بله كثيرها، ويجتهد أن يضع كل شيء، مهما ضؤل، موضعه اللائق به . عندما يحس أحدنا أنه موجود، ويلقى نظرة وراءه يتبين بها اللحظة التى بدأ منها المسير في هذه الحياة، ليحصى ما يمر به من أيام وأعوام، لن يطول به فكر، لأنه لا يرى إلا بداية غامضة، ثم تتجمع السنون الطوال والليالى العراض فإذا هى وكأنها يوم واحد مائع الطول والعرض متلاحق الأحداث . إن هذا ما يستشعره الإنسان الآن، وما قد يستشعره يوم القيامة عندما يوقف للحساب: (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم) . (يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا ، نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما) . (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) . إن هذا الإحساس ـ على ما به ـ يلذع الذين توهموا الخلود في الأرض وربطوا مصيرهم بترابها، وهو إحساس صادق إذا قيست أيام الدنيا بأيام الآخرة. ولكنه إحساس مخدوع مضلل لمن مرت به الأصباح والأمسية وكرت عليه الشهور والدهور، وغدا وراح، وتعب واستراح. ومع ذلك فهو في غفلة عن يومه وغده. ظل يعبث ويسترسل في عبثه حتى إذا استرخت أجفانه على عينيه، ودخل ظلام الموت، تيقظ بعنف ! وهيهات !! لقد صحا بعد فوات الوقت . . إن شأن الناس في الدنيا غريب يلهون والقدر معهم جاد، وينسون وكل ذرة من أعمالهم محسوبة . (يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد) . ص _206