تشملهم هذه الرحمة الجامعة فليس في هذه الرحمة قصور، وإنما القصور فيمن حرم نفسه منها ألست ترى أن رحمة الله وسعت كل شيء ! ومع ذلك فلن ينالها مشرك ولا جحود: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) . كما تقول: هذه القاعة تتسع ألف جالس. ولكن لا يؤذن بدخولها إلا لمن يحمل بطاقة، فإذا رفض البعض حمل البطاقة المعهودة فحرموا من الدخول وبقوا في الخارج فليس ذلك قدحا في سعة القاعة . ومثل ذلك قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"كل أمتى يدخل الجنة إلا من أبى. فقالوا: ومن يأبى؟ قال: من أطاعنى دخل الجنة. ومن عصانى فقد أبى". وقد تأخذ الرحمة الحقة طابع القسوة وليست كذلك: إن الأطفال عندما يساقون إلى المدارس كرها، ويحفظون الدروس زجرا، ولو تركوا وأهواءهم لقتلهم اللهو واللعب ولشبوا لا يحسنون صنعا، ولذلك قال الشاعر: فقسا ليزدجروا ومن يك راحما فليقس أحيانا على من يرحم والطبيب عندما يجرى بالجسم جراحة، يستخدم مبضعة لتمزيق اللحم، وقد يضطر لتهشيم العظام بتر أعضاء، وما يفعل ذلك إلا رحمة بالمريض !! فليست الرحمة حنانا لا عقل معه، أو شفقة تتنكر للعدل والنظام. كلا إنها عاطفة ترعى هذه الحقوق جميعا، إن منظر المشنوق وجسمه يتأرجح في الهواء وعيناه تعشقان الضوء وتطلبان النجاة، منظر قد يستدر العطف، ولو أجيبت هذه العاطفة السريعة، وأطلق سراح القاتل لامتلأت الأرض فوضى.. والرحمة الحقة في كبت هذا الشعور . (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون) . إن القسوة التى استنكرها الإسلام جفاف في النفس لا يرتبط بمنطق ولا عدالة، إنها نزوة فاجرة تتشبع من الإساءة والإيذاء، وتمتد مع الأثرة المجردة والهوى الأعمى . أما الرحمة فهى أثر من الجمال الإلهى الباقى في طبائع الناس يحدوهم إلى البر، ويهب عليهم في الأزمات الخانقة ريحا بليلة ترطب الحياة