الصفحة 185 من 209

بهذه الوصايا الحارة رفع الإسلام قدر المستمسك به، وجعله ينقل أقدامه على الأرض مكينا كريما. ثم أوضح له أن هؤلاء الذين نتردد عليهم في حاجاتنا إنما هم ممر للعطاء، أو مظهر للمنع: روى عن عبد الله بن مسعود أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا ترضين أحدا بسخط الله، ولا تحمدن أحدا على فضل الله، ولا تذمن أحدا على ما لم يؤتك الله، فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص، ولا ترده عنك كراهية كاره، وإن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرج في الرضا واليقين وجعل الهم والحزن في السخط". وهذا الحديث لا يعنى جحود الصنيع، ولا ازدراء الفضل لمن أسدوا الفضل، فإن الحديث يقول:"من لا يشكر الناس لا يشكر الله". ولكن معناه، ألا يستعبد المرء بمنة وصلته حتى تداس كرامته! فإن المنة لله أسبق، ولا يجوز للمعطى أن يقصد بهبته شراء الأنفس والتصرف فيها كما يحب، فإن هذا يحبط أجره. وكان ذلك القصد - ولا يزال - شأن الذين يؤتون لغير الله، ولذلك تأفف الأحرار من عطاياهم: لاه ابن عمك ، لا أفضلت في نسب عنى ولا أنت ديانى فتخزونى أما الذين يعطون لله، ويؤدون حقوق العباد ابتغاء وجهه. فقد قال رسول الله في بيان مكافآتهم:"من أعطى عطاء فليجز به إن وجد ، فإن لم يجد ليُثن به ، فإن من أثنى به فقد شكره ، ومن كتمه فقد كفره". * * * أما تهيب الموت وتحمل العار طلبا للبقاء في الدنيا على أية صورة فذلك حُمق، فإن الفرار لا يطيل أجل والإقدام لا ينقص عمرا، كيف؟ (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) . إن القضاء يصيب العزيز وله أجره، ويصيب الذليل وعليه وزره، فكن عزيزا ما دام لن يفلت من محتوم القضاء إنسان . * * * ص _189

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت