الآجال والأرزاق جميعا، فليس لأحد إليهما من سبيل: فالناس في الحقيقة يستذلهم وهم نشأ من أنفس مريضة بالحرص على الحياة والخوف على القوت. والناس من خوف الذل في ذل، ومن خوف الفقر في فقر. مع أن الإسلام بنى حقيقة التوحيد على الصلة بالله تبارك وتعالى فيما ينوب ويروع واليأس من الناس فيما لا يملكون فيه على الله بتا، ولا يقدمون نفعا ولا ضرا: (أم من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور ، أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور) . ويقول ابن القيم في مناجاة الله: يا من ألوذ به فيما أؤمله ! ومن أعوذ به مما أحاذره ! لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ولا يُهيضون عظما أنت جابره ! ذلكم هو التوحيد الكامل. وذلكم ما يجب أن يستشفى به أولئك الضعاف المساكين، الذين يريقون ماء وجوههم في التسكع على الأبواب، والتمسح بالثياب، والزلفى على الأعتاب . يريد الإسلام ليجتث عوامل القلق في النفوس وأن يكشف عنها الضيق حتى تتنفس في جو طليق، فيقول رسول الله:"إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله". إنه يقول ذلك لا ليقعد الناس عن التكسب الواجب: فهذا ظن الجهلة. لكنه يقول ذلك ليُجمل الناس في الطلب، ويخففوا من الإلحاح الشائن والتملق المعيب، وذلك سر القسم: (وفي السماء رزقكم وما توعدون ، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) . عن ابن مسعود أن رسول الله قال:"ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلى أمرتكم به ، ولا عمل يقرب إلى النار إلى وقد نهيتكم عنه ، فلا يستبطئن أحد منكم رزقه . فإن جبريل ألقى في روعى أن أحدا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه .فاتقوا الله أيها الناس وأجملوا في الطلب . فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية الله ؛ فإن الله لا ينال فضله بمعصيته". ص _188