الصفحة 119 من 209

ولا ريب في أن علم الله محيط بظواهر الأمور وبواطنها، وأن هذا الامتحان لم يأت بجديد بالنسبة إلى الكشف الإلهى، المستوعب للبدايات والنهايات، غير أن الإنسان لا يُحاسب على ما في علم الله، بل حسابه على عمله الشخصى، وإذا كان بعض المجرمين سينكرون ما اقترفوا من سيئات، فكيف تقام عليهم الحجة إلا بامتحان تشهده جوارحهم، وتنطبق به أركانهم ؟ قال تعالى في هؤلاء: (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ، ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ، انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون) . فكيف يُكتفى بحساب هؤلاء على مقتضى العلم الإلهى ؟ إن جزاءهم العدل لا يقضى به عليهم إلا من أعمالهم التى تثبت لهم ولغيرهم فسادهم وسوء صنيعهم . * * * على هاتين الحقيقتين يقوم الصبر، ومن أجلهما يطالب الدين به. بيد أن الإنسان ـ ومن عادته تجاهل الحقائق ـ يدهش للصعاب إذا لاقته، ويتبرم بالآلام إذا مسته، ويقوم له من طبعه الجزوع ما يبغض له الصبر، ويجعله في حلقه كريه المذاق. فإذا أحرجه أمر، أو صدمته خيبة، أو نزلت به كارثة، ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وضاقت عليه الأيام مهما امتدت !! وحاول أن يخرج من حالته بأسرع من لمح البصر.. وهى محاولة قلما تنجح، لأنها ضد طبيعة الدين والدنيا، وأولى بالمسلم أن يدرب نفسه على طول الانتظار، قال تعالى: (خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون) . وفى الحديث:"... ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر". والصبر من معالم العظمة وشارات الكمال، ومن دلائل هيمنة النفس على ما حولها، ولذلك كان"الصبور"من أسماء الله الحسنى، فهو يتمهل ولا يتعجل ص _123

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت