الصفحة 120 من 209

ويبطئ بالعقاب إن أسرع الناس بالجريمة، ويرسل أقداره لتعمل عملها على اتساع القرون، لا على ضيق الأعمار، وفى نطاق الزمن الرحب، لا في حدود الرغبات الفائرة، والمشاعر الثائرة: (و يستعجلونك بالعذاب و لن يخلف الله وعده و إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) . والصبر من عناصر الرجولة الناضجة والبطولة الفارعة، فإن أثقال الحياة لا يطيقها المهازيل. والمرء إذا كان لديه متاع ثقيل يريد نقله، لم يستأجر له أطفالا أو مرضى أو خوارين ؛ إنما ينتقى له ذوى الكواهل الصلبة ؟ والمناكب الشداد !! كذلك الحياة ، لا ينهض برسالتها الكبرى ، ولا ينقلها من طور إلى طور إلا رجال عمالقة وأبطال صابرون . . ومن ثم كان نصيب القادة من العناء والبلاء مكافئا لما أوتوا من مواهب، ولما أدوا من أعمال . سُئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أى الناس أشتد بلاء ؟ قال"الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل. يبتلى الناس على قدر دينهم، فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه، ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه. وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشى على الأرض ما عليه خطيئة". فاختلاف أنصبة الناس من الجهد والتبعة والهموم الكبيرة يعود إلى طاقتهم في التحمل والثبات . وسنة العظمة والاعتداد هى التى أوحت لقائد أمريكى كبير أن يقول:"لا تسأل الله أن يخفف حملك، ولكن اسأل الله أن يقوى ظهرك"إن خفة الحمل: وفراغ اليد، وقلة المبالاة صفات قد يظفر الأطفال منها بقسط كبير لكن مشاغل العيش وهموم الواجب، ومرارة الكفاح، واستدامة السعى، هى أخلاق الجاهدين البنائين في الحياة والرجل القاعد في داره لا يصيبه غبار الطريق، والجندى الهارب لا يشوكه سلاح، ولا يروعه زحف . أما الذين أسهموا في معركة الحياة وخاضوا غمارها، فستغبرهم وعثاؤها، وتنالهم جراحاتها، ويدركهم من النصب والكلال ما يدركهم . ص _124

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت