يكذب عنده الكذبة، فما يزال في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث فيها توبة". ص _032"
ولا غرو فلقد كان السلف الصالح يتلاقون على الفضائل ويتعارفون بها، فإذا أساء أحد السيرة وحاول أن ينفرد بمسلك خاطئ، بدا ـ بعمله هذا ـ كالأجرب بين الأصحاء، فلا طيب له مقام بينهم حتى يبرأ من علته. وكانت المعالم الأولى للجماعة المسلمة صدق الحديث، ودقة الأداء، وضبط الكلام. أما الكذب والإخلاف، والتدليس والافتراء، فهى أمارات النفاق، وانقطاع الصلة بالدين، أو هى اتصال بالدين على أسلوب المدلسين والمفترين! أى على أسلوب الكذابين في مخالفة الواقع. * * * * والكذب رذيلة محضة تنبئ عن تغلغل الفساد في نفس صاحبها، وعن سلوك ينشىء الشر إنشاء، ويندفع إلى الإثم من غير ضرورة مزعجة، أو طبيعية قاهرة. هناك رذائل يلتاث بها الإنسان، تشبه الأمراض التى تعرض للبدن، ولا يصح منها إلا بعد علاج طويل، كالخوف الذى يتلعثم به الهيابون، أو الحرص الذى تنقبض به الأيدى. إن بعض الناس إذا جُنِّد للجهاد المفروض، تقدم إليه وجلده مقشعر، وإن بعضهم إذا استخرجت منه الزكاة الواجبة، أخذ يعدها وأصابعه تُرْعش، وهذه الطباع التى تتأئر بالجبن أو بالبخل، غير الطباع التى تُقبل على الموت في نزق، وتبعثر المال بغير حساب. وقد تكون هناك أعذار لمن يشعرون بوساوس الحرص أو الخوف، عندما يوقفون في ميادين التضحية والفداء!! ولكنه لا عذر البتة لمن يتخذون الكذب خلقا ويعيشون به على خديعة الناس. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"يُطبع المؤمن على الخلال كلها، إلا الخيانة والكذب". وسئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"أيكون المؤمن جبانا؟ قال: نعم! قيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: نعم! قيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: لا..". ص _033