الصفحة 45 من 209

ومن ثم يستطرد حذيفة في وصفه، لتسرب الأمانة من القلوب التى تخلخل فيها اليقين، فيروى عن الرسول:"ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينامُ الرجل النومة فتنقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت ـ هو الأثر المغاير كالنقطة على الصحيفة ـ ثم ينام الرجل النومة فتنقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل ـ كالثبور التى تظهر في اليد مثلا في استخدام الأدوات الخشنة ـ ثم قال: فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدى الأمانة ؛ حتى يُقال: إن في بنى فلان رجلا أمينا، وحتى يُقال للرجل: ما أجلده. ما أظرفه. ما أعقله. وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان". والحديث يصور انتزاع الأمانة من القلوب الخائنة تصويرا محرجا فهى كذكريات الخير في النفوس الشريرة، تمر بها وليست منها، وقد تترك من مرها أثرا لاذعا. بيد أنها لا تحيى ضميرا مات، وأصبح صاحبه يزن الناس على أساس أثرته وشهوته، غير مكترث بكفر أو إيمان!؟ إن الأمانة فضيلة ضخمة، لا يستطيع حملها الرجال المهازيل، وقد ضرب الله المثل لضخامتها، فأبان أنها تثقل كاهل الوجود فلا ينبغى للإنسان أن يستهين بها، أو يفرط في حقها. قال الله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) . والظلم والجهل آفتان عرضتا للفطرة الأولى، وعُنى الإنسان بجهادهما، فلن يخلص له إيمان، إلا إذا أنقاه من الظلم: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن …) . ولن تخلص له تقوى إلا إذا نَقاها من الجهالة: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) . ولذلك ـ بعد أن تقرأ الآية التى حملت الإنسان الأمانة ـ تجد أن الذين غلبهم الظلم والجهل، خانوا ونافقوا وأشركوا، فحق عليهم العقاب، ولم تكتب السلامة إلا لأهل الإيمان والأمانة: (ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما) . * * * ص _049

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت