فهرس الكتاب

الصفحة 1312 من 2522

صفحة رقم 27

)يمحو الله ما يشاء ويثبت ( وذلك أنهم لما اعترضوا على رسول الله فقالوا: إن محمدًا يأمر أصحابه بأمر اليوم ثم يأمرهم بخلافه غدًا , وما سبب ذلك إلا أنه يقوله من تلقاء نفسه , أجاب الله عن هذا الاعتراض بقوله ) يمحو الله ما يشاء ويثبت (.

قال سعيد بن جبير وقتادة: يمحو الله ما شاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء من ذلك فلا ينسخه ولا يبدله , وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة , ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول ( إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكًا فصورهما وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها , ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما يشاء فيكتب الملك , ثم يقول يا رب أجله فيقول: ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يقول: الملك يا رب رزقه فيقول: ما يشاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك الصحيفة , فلا يزيد على أمر ولا ينقص ) أخرجه مسلم

( ق ) عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه , قال حدثنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : وهو الصادق والمصدوق ( إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه نطفة أربعين يومًا ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك , ثم يبعث الله ملكًا بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح , فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها , وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) فإن قلت: هذا الحديث والذي قبله صريح بأن الآجال والأرزاق مقدرة , وكذا السعادة والشقاوة لا تتغير عما قدره الله وعلمه في الأزل فيستحيل زيادتها ونقصانها , وكذلك يستحيل أن ينقلب السعيد شقيا أو الشقي سعيدًا , وقد صح في فضل صلة الرحم أن صلة الرحم تزيد في العمر فكيف الجمع بين هذه الأحاديث , وبين قوله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت ؟.

قلت: قد تكرر بالدلائل القطعية أن الله عالم الآجال والأرزاق وغيرها.

وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه فإذا علم الله أن زيدًا يموت في وقت معين استحال أن يموت قبله أو بعده وهو قوله تعالى ) فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ("فدل ذلك على أن الآجال لا تزيد ولا تنقص."

وأجاب العلماء عما ورد في الحديث في فضل صلة الرحم من أنها تزيد في العمر بأجوبة الصحيح منها: أن هذه الزيادة تكون بالبركة في عمره بالتوفيق للطاعات , وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة , وصيانتها عن الضياع وغير ذلك.

والجواب الثاني: منه أنها بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ أن عمر زيد مثلًا ستون سنة , إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد له أربعون سنة , وقد علم الله في الأزل ما سيقع من ذلك , وهو معنى قوله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت أي بالنسبة لما يظهر للمخلوقين من تصوير الزيادة.

وأما انقلاب الشقي سعيدًا أو السعيد شقيًا فيتصور في الظاهر أيضًا لأن الكافر قد يسلم فينقلب من الشقاوة إلى السعادة , وكذا العاصي ونحوه وقد يتوب فينقلب من الشقاوة إلى السعادة وقد يرتد المسلم , والعياذ بالله تعالى , فيموت على ردته فينقلب من السعادة إلى الشقاوة , والأصل في هذا الاعتبار بالخاتمة عند

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت