فهرس الكتاب
صفحة رقم 17
من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين" ( قوله تعالى: ( حنفاء لله( يعني مخلصين له ) غير مشركين به ( فدل ذلك على أن المكلف ينوي بما يؤتيه من العبادة الأخلاص لله بها لا غيره وقيل كانوا في الشرك يحجون ويحرمون البنات والأمهات والأخوات وكانوا حنفاء فنزلت ) حنفاء لله غير مشركين به ( أي حجوا لله مسلمين موحدين ومن أشرك لا يكون حنيفًا ) ومن يشرك بالله فكأنّما خر ( أي سقط ) من السماء ( إلى الأرض ) فتخطفه الطير ( يعني تسلبه وتذهب به ) أو تهوي به الريح ( يعني تميل وتذهب به ) في مكان سحيق( يعني بعيد."
ومعنى الآية أنّ من أشرك بالله بعيد من الحق والإيمان كبعد من سقط من السماء فذهبت به الطير أو هوت به الريح فلا يصل إليه بحال وقيل شبه حال المشرك بحال الهاوي من السماء لأنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقط الريح فهو هالك لا محالة.
إما باستلاب الطير لحمه أو بسقوطه في المكان السحيق.
وقيل معنى الآية من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكًا ليس وراءه إهلاك بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير ففرقت أجزاءه في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة.
وقيل شبه الإيمان بالسماء في علوه والذي ترك الإيمان بالساقط من السماء والأهواء التي توزع أفكاره بالطير المختطفة والشياطين التي تطرحه في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة.
قوله عزّ وجلّ ) ذلك ( يعني الذي ذكر من اجتناب الرجس وقول الزور ) ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ( يعني تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب قال ابن عباس: شعائر الله البدن والهدي وأصلها من الإشعار , وهو العلامة التي يعرف بها أنها هدى وتعظيمها استسمانها واستحسانها وقيل شعائر الله أعلام دينه وتعظيمها من تقوى القلوب ) لكم فيها ( اي في البدن ) منافع ( قيل هي درها ونسلها وصوفها ووبرها وركوب ظهرها ) إلى أجل مسمى ( أي إلى أن يسميها ويوجبها هديًا فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء من منافعها.
وهو قول مجاهد وقتادة والضحّاك ورواية عن ابن عباس وقيل معناه لكم في الهدايا منافع بعد إيجابها وتسميتها هدايا بأن تركبوها وتشربوا من ألبانها عند الحاجة إلى أجل مسمى يعني إلى أن تنحروها وهو قول عطاء.
واختلف العلماء في ركوب الهدي فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: يجوز ركوبها والحمل عليها من غير ضرر بها لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رأى رجلًا يسوق بدنه فقال: ( اركبها فقال يا رسول الله إنّها بدنة فقال: اركبها ويلك في الثانية والثالثة ) أخرجاه في الصحيحين.
وكذلك يجوز له أن يشرب من لبنها بعد ما يفضل عن ري ولدها.
وقال أصحاب الرأي: لا يركبها إلاّ أن يضطر إليه وقيل أراد بالشعائر المناسك ومشاهدة مكة لكم فيها منافع يعني بالتجارة والأسواق ) إلى أجل مسمى ( يعني إلى الخروج من مكة وقيل ) لكم فيها منافع ( يعني بالأجر والثواب في قضاء المناسك إلى انقضاء أيام الحج ) ثم محلها إلى البيت العتيق ( يعني منحرها عند البيت العتيق يريد به جميع أرض الحرم.
وروي عن جابر في حديث حجة الوداع أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال ( نحرت ها هنا ومنىً كلها منحر فانحروا في رحالكم ) ومن قال الشعائر المناسك قال معنى ثم محلها يعني محل الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق يطوفون به طواف الزيارة.
قوله تعالى ) ولكل أمة ( يعني جماعة مؤمنة سلفت قبلكم ) جعلنا منسكًا ( قرىء بكسر السين يعني مذبحًا وهو موضع القربان منسكًا بفتح السين وهو