فهرس الكتاب

الصفحة 1127 من 4996

صفحة رقم 574

سؤاله - وهو المحيط علمًا بمكنونات الضمائر وخفيات السرائر إثر التهديد لمن يكفر - عما كفر به النصارى ، فلذلك قال تعالى عاطفًا على قوله

77 ( ) إذا قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك ( ) 7

[ المائدة: 110 ] ) وإذ قال الله ) أي بما له من صفات الجلال والجمال مشيرًا إلى ما له من علو الرتبة بأداة النداء: ( يا عيسى بن مريم( وذلك تحقيقًا لأنه عمل بمقتضى النعمة وتبكيتًا لمن ضل فيه من النصارى وإنكارًا عليهم ) أأنت قلت للناس ) أي الذين أرسلت إليهم من بني إسرائيل ، وكأنه عبر بذلك لزيادة التوبيخ لهم ، لكونهم اعتقدوا ذلك وفيهم الكتاب ، فكأنه لا ناس غيرهم ) اتخذوني ) أي كلفوا أنفسكم خلاف ما تعتقدونه بالفطرة الأولى في الله بأن تأخذوني ) وأمي إلهين ( .

ولما كانت عبادة غير الله - ولو كانت على سبيل الشرك - مبطلة لعبادة الله ، لأنه سبحانه أغنى الأغنياء ، ولا يرضى الشرك إلا فقير ، قال: ( من دون الله ) أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له ، فيكون المعنى: اتخذوا تألهنا سلمًا تتوصلون به إلى الله ، ويجوز أن يكون المعنى على المغايرة ، ولا دخل حينئذ للمشاركة .

ولما كان من المعلوم لنا في غير موضع أنه لم يقل ذلك ، صرح به هنا توبيخًا لمن أطراه ، وتأكيدًا لما عندنا من العلم ، وتبجيلًا له ( صلى الله عليه وسلم ) بما يبدي من الجواب ، وتفضيلًا بالإعلام بأنه لم يحد عن طريق الصواب ، بل بذل الجهد في الوفاء بالعهد ، وتقريعًا لمن قال ذلك عنه وهو يدعي حبه واتباعه عليه السلام وتخجيلًا لهم ، فلما تشوفت لجوابه الأسماع وأصغت له الآذان ، وكان في ذكره من الحكم ما تقدمت الإشارة إليه ، ذكره سبحانه قائلًا: ( قال( مفتتحًا بالتنزيه ) سبحانك ) أي لك التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص ، ودل بالمضارع على أن هذا القول لا يزال ممنوعًا منه فقال: ( ما يكون لي ) أي ما ينبغي ولا يصح أصلًا ) وأن أقول ) أي في وقت من الأوقات ) ما ليس لي ( وأغرق في النفي كما هو حق المقام فقال: ( بحق ( .

ولما بادر عليه السلام إعظامًا للمقام إلى الإشارة إلى نفي ما سئل عنه ، أتبعه ما يدل على أنه كان يكفي في الجواب عنه: أنت أعلم ، وإنما أجاب بما تقدم إشارة إلى أن هذا القول تكاد السماوات يتفطرن منه ومبادرة إلى تبكيت من ادّعاه له ، فقال دالًا على أنه لم يقنع بما تضمن أعظم المدح لأن المقام للخضوع: ( إن كنت قلته ) أي مطلقًا للناس أو حدثت به نفسي ) فقد علمته ( وهو مبالغة في الأدب وإظهار الذلة وتفويض الأمر كله إلى رب العزة ؛ ثم علل الإخبار بعلمه بما هو من خواص الإله فقال: ( تعلم ( ولما كانت النفس يعبر بها عن الذات ، وكان القول يطلق على النفس ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت