صفحة رقم 592
)أنزلنا( وأسقط أداة الاستعلاء لعدم الاحتياج في رد كلامهم إلى ذكرها .
ولئلا يكون فيه تسليهم لما لوحوا إليه من إنكارهم نزول الملك عليه بالوحي )ملكًا ) أي كما اقترحوه ، فلا يخلو إما أن يكون على صورته أولًا ، فإن كان على صورته التي خلق عليها لم يثبتوا لرؤيته ، ولو كان كذلك ) لقضي الأمر ) أي بهلاكهم ، وبناه للمفعول إشارة على طريق طلام القادرين إلى غاية السرعة لسهولة الأمر وخفة مؤنته ، فإنه لا ينظره أحد منهم إلاّ صعق ، ولئن أعطيناهم قوة يثبتون بها لنظره ليكونن قضاءٌ للأمر وانفصال للنزاع من وجه آخر ، وهو أن ذلك كشف للغطاء وفوات للإيمان بالغيب ، وقد جرت عادتنا بالإهلاك عند ذلك ، فإذا هم هالكون على كل من هذين التقديرين ، وهو معنى قوله مهولًا لرتبته بحرف التراخي: ( ثم لا ينظرون ) أي علىحالة من هاتين ، وأما إن جعلناه على صورة يستطيعون نظرها فإنا نجعله على صورة رجل ، فإنها أكمل الصور ؛ وحينئذٍ يقع لهم اللبس الذي وقع لهم بدعائك ، وهو معنى ) ولو جعلناه ) أي مطلوبَهم ) ملكًا ) أي يمكن في مجاري العادات في هذه الدار رؤيتهم له وبقاؤهم بعد رؤيته ) لجعلناه رجلًا ) أي في صورة رجل ، ولكنه عبر بذلك إشارة إلى تمام اللبس حتى أنه لا يشك أحد يراه في كونه رجلًا ، كما كان جبريل عليه السلام ينزل في بعض الأوقات على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في صورة دحية الكلبي ، فإذا رآه بعض الصحابة رضي الله عنهم لم يشك أنه دحية رضي الله عنه ) و ( لو جعلناه رجلًا ) للبسنا عليهم ما يلبسون ) أي لخلطنا عليهم بجعلنا إياه رجلًا ما يخلطونه على أنفسهم وعلى غيرهم في قولهم: إن الرسالة لا تصح من البشر ، فلو كان هذا الذي يقول: إنه رسول رسولًا لكان ملكًا ، فوقع اللبس عليهم بأنه لما كان هذا الذي يقول: إنه رسول ، ملكًا كان رجلًا ، ويجوز أن يقرر ذلك على وجه آخر ، وهو أن يكون ) ولو نزلنا ( في حيز ) كانوا عنها معرضين ( ، أي أعرضوا عنا لو نزلناها عليك في غير قرطاس ، ولو نزلنا عليك من السماء كتابًا في قرطاس فجعلنا لهم في ذلك بين حس البصر واللمس لأعرضوا ، وقال الذين أبَّدْنا كفرَهم عنادًا ومكابرة: ما هذا إلاّ سحر ظاهر ، ويكون ) وقالوا ( معطوفًا على ) لقال الذين كفروا ( ويكون ذلك قبل اقتراحهم لذلك بما حكاه الله تعالى عنهم في سورة الإسراء بقوله
77 ( ) وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا ( ) 7
[ الإسراء: 90 ] .
إلى آخرها ، فيكون إخبارًا بمغيب .
ولما قطع الرجاء لهداية من حكم بشقاوته ، وكان طلبهم لإنزال الملك ونحوه إنما هو على سبيل التعنت والاستهزاء ، وكان ذلك يشق على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والمؤمنين رضي الله عنهم غاية المشقة ، التفتت النفس إلى الإراحة منهم وتوقعته لما تقدم من مظاهر