صفحة رقم 600
معروف للإعجاز ، وبني للفاعل في السواد: ( وأوحي إلي ( وحقق الموحى به وشخّصه بقوله: ( هذا القرآن ( ولما كان في سياق التهديد قال مقتصرًا على ما يلائمه:( لأنذركم ) أي أخوفكم وأحذركم من اعتقاد شائبة نقص في الإله لا سيما الشرك ) به ومن ) أي وأنذر به كل من ) بلغ ) أي بلغه ، قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في صلات ( الذي ) و ( من ) و ( ما ) .
وقال البخاري في آخر الصحيح: ( لأنذركم به ( يعني أهل مكة ، ومن بلغ هذا القرآن فهو له نذير علقه بصيغة الجزم عن ابن عباس ووصله إليه ابن أبي حاتم كما أفاده شيخنا في شرحه .
وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر عن قتادة أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال: بلغوا عن الله ، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله .
وقال الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي في جواب سؤال ورد عليه سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة في أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) هل بعث إلى الجن - ومن خطه نقلتُ: الكتاب والسنة ناطقان بذلك ، والإجماع قائم عليه ، لا خلاف بين المسلمين فيه ؛ ثم أسند الإجماع إلى أبي طالب القضاعي وأبي عمر بن عبد البر في التمهيد وأبي محمد بن حزم في كتاب الفِصَل وغيرهم ثم قال: أما الكتاب فآيات إحداها ) نذركم به ومن بلغ ( قال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي( صلى الله عليه وسلم ) ، وقال ابن عباس - فذكره ، وقال السدي: من بلغ القرآن فهو له نذير ، وقال ابن زيد: من بلغه هذا القرآن فأنا نذيره .
وهذه كلها أقوال متفقة المعنى ، وقد أمر نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) أن يقول هذا الكلام وأن ينذر بالقرآن كل من بلغه ، ولم يخص إنسًا ولا جنًا من أهل التكليف ، ولا خلاف أن الجن مكلفون - انتهى .
وسيأتي مما ذكر من الآيات وغيرها ما يليق بالاستدلال على الإرسال إلى الملائكة عليهم السلام ، فالمعنى: فمن صدق هذا القرآن فقد أفلح ، ومن كذب فليأت بسورة من مثله ، ثم عجزه شاهد على نفسه بالكذب ، وهو شهادة الله لي بالصدق ، ولأجل أن الله هو الشاهد لم تنقض الشهادة بموت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، بل استمرت على مرّ الأيام وكرّ الأعوام لبقاء الشاهد وتعاليه عن شوائب النقص وسمات الحدث ، وإلى ذلك الإشارة بقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم