صفحة رقم 752
ولما تضمن ما مضى تصحيح التوحيد بالأدلة القاطعة وتحقيق أمر القضاء والقدرة وإبطال جميع أديان الضلال ووصفها بتفرق أهلها الدال على بطلانها واعوجاجها ، وختم بهذا التحذير الذي لا شيء أقوم منه ولا أعدل ، أمره ( صلى الله عليه وسلم ) بالإعلان بأمره وأن يصف دينه الذي شرعه له وهداه إليه بما فيه من المحاسن تحبيبًا فيه وحثًا عليه ولأن ذلك من نتيجة هذه السورة فقال: ( قل ( وأكد بالإتيان بالنونين فقال:( إنني هدانى ) أي بيانًا وتوفيقًا ) ربي ) أي المحسن إليّ بكل خير لا سيما هذا الذي أوحاه إليّ وأنزله عليّ ) إلى صراط مستقيم ) أي طريق واسع بين ، ثم مدحه بقوله: ( دينًا قيمًا ) أي بالغ الاعتدال والاستقامة ثابتها ، هذا على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو بفتح القاف وتشديد الياء المكسورة ، وهو في قراءة الباقين بكسر القاف وفتح الياء الخفيفة مصدر بمعنى القيام وصف به للمبالغة ، وزاده مدحًا بقوله مذكرًا لهم - لتقليدهم الآباء - بأنه دين أبيهم الأعظم: ( ملة إبراهيم ( والملة ما أظهره نور العقل من الهدى في ظُلَم ما التزمه الناس من عوائد أمر الدنيا - أفاده الحرالي .
ولذلك قال: ( حنيفًا ) أي لينًا هينًا سهلًا قابلًا للاستقامة لكونه ميالًا مع الدليل غير جاف ولا كز واقف مع التقليد عمى عن نور الدليل - كما تقدم ذلك في البقرة ، وهو معنى قوله: ( وما ) أي والحال أنه ما ) كان من المشركين ) أي الجامدين مع أوهامهم في ادعاء شريك لله مع رؤيتهم له في كونه لا يضر ولا ينفع ولا يصلح لشركة آدمي فضلًا عن غيره بوجه ، لا ينقادون لدليل ولا يصغون إلى قيل ، فكان هذا مدحًا لهذا الدين الذي هدى إليه ( صلى الله عليه وسلم ) وبيانًا لأنه الذي اختاره سبحانه لخليله إبراهيم عليه السلام رجوعًا إلى
77 ( ) وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ( ) 7
[ الأنعام: 74 ] الذي بنيت السورة في الحقيقة عليه ، وألقيت أزمة أطرافها إليه ، وترغيبًا في هذا الدين لأن جميع المخالفين يتشبثون بأذيال إبراهيم عليه السلام: العرب وأهل الكتابين بنسبة الأبوة ، والمجوس بنسبة البلد والأخوة ، وأشار بذلك إلى أن محمدًا ( صلى الله عليه وسلم ) فهم ما حاج به أبوه إبراهيم عليه السلام قومه وقبله ، فلم ينسب كغيره إلى جمود ولا عناد .
ولما كان كأن سائلًا قال: وما هذه الملة التي تكرر مدحها والدعاء إليها ؟ أجاب بقوله ليتأسى به أهل الإيمان ، فليلتزموا جميع ما يدعو إليه على وجه الإخلاص: ( قل إن صلاتي ) أي التي هي لباب الدين وصفاوته ) ونسكي ) أي جميع عبادتي من الذبائح وغيرها ) ومحياي ) أي حياتي وكل ما تجمعه من زمان ومكان وفعل ) ومماتي لله ) أي الملك الأعظم الذي لا يخرج شيء عن أمره ؛ ولما علم بالاسم الأعظم أنه يستحق ذلك لذاته ، أعلم أنه يستحقه من كل أحد لإحسانه إليه وإنعامه عليه فقال: ( رب العالمين ( الموجد والمدبر والموعي لهم .