صفحة رقم 401
ولما علل الأمر بالتقوى ، علل النهي عن التخلف بما يدل على صدق الإيمان فيصير نقيضه دالًا على نقيضه فقال: ( ذلك( اي النهي العظيم عن التخلف في هذا الأسلوب النافي للكون ) بأنهم لا يصيبهم ظمأ ) أي عطش شديد ) ولانصب ( اي تعب بالغ ) ولا مخمصة ( اي شدة مجاعة ) في سبيل الله ) أي طرق دين الملك الأعظم المتوصلة به إلى الجهاد أعدائه ، ورتبت هذه الأشياء ترتيبها في الوجود فإن مطلق الحركة يهيج الحرارة فينشأ العطش وتماديها يورث التعب ، والأغلب أن يكون قبل الجوع .
ولما كان المقصود من إجهاد النفس بما ذكر إرغام الكفار باقتحام أرضهم المتوصل به إلى إيمانهم بالنيل منهم ، أتبع ذلك قوله: ( ولا يطؤون موطئًا( اي وطأ أو مكانًا وطؤه ) يغيظ الكفار ( اي وطؤهم له بأرجلهم أو دوابهم ) ولا ينالوا من عدو نيلًا ) أي كائنًا ما كان صغيرًا أو كبيرًا ) غلا كتب لهم به ( اي في صحائف الأعمال ، بني للمفعول لأن القصد إثباته لا من معين ) عمل صالح ( اي ترتب لهم عليه أجر جزيل .
ولما كان فاعل هذه الأشياء مقدمًا على المعاطب في نفسه ومحصلًا لعرض الجهاد ، أشير على وجه التأكيد في جملة اسمية إلى أنه محسن ، أما في حق نفسه فبإ قامة الدليل بطاعته على صدق إيمانه .
وأما في غيره من المؤمنين فبحمايتهم عن طمع الكافرين .
وأما في حق الكفار فبحملهم على الإيمان بغاية الإمكان ، فقال تعالى معللًا للمجازاة: ( إن الله ) أي الذي له صفات الكمال ) لا يضيع ) أي لا يترك تركه ما من شأنه الإهمال ) أجر المحسنين ( وأظهر موضع الإضمار تعميمًا وتعليقًا بالوصف .
التوبة: ( 121 - 122 ) ولا ينفقون نفقة. .. . .
)وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (( )
ولما كانت المشقة بالإنفاق العائد ضرره غلى المال ، ووطئ مطلق الأرض الذي قد لا يلزم منه وصول إلى ما يغيظ العدو دون المشقة الحاصلة في النفس بالظمأ وما معه من فعل ما يغيظ العدو وينقصه ، قدم ذلك على قوله: ( ولا تنفقون ( ولما كان القليل قد يحتقر ، ابتدأ به ترغيبًا في قوله: ( نفقة صغيرة ( ولما كان ربما تعنت متعنت