صفحة رقم 488
من العلم ، وكان ( صلى الله عليه وسلم ) كما نمضى في اخر التي قبلها أشفق الخلق لا سينا على العرب لا سيما على قومه منهم ، وكانت الوصية قد برزت من الجناب الإلهي له بما يوافق طبعه من بذل الجهد في ملاطفتهم ، كان ذلك جديرًا بأن يحرك طبع البشر لتمني الإجابة لما يقترحون ، وكان طلب ذلك بعد الفطام عنه من أفعال الشك في الجملة فاريد صرف النفس عنه بالكلية ولو بالخطورة في البال فقيل مسببًا عما قبله: ( فإن كنت ) أي يا ارحم الخلق ) في شك ( ولم يرد بهذا الكلام حقيقته - والله أعلم - بل تقوية اليقين وتأكيده ورسخوه وتأييده بأن هذا أمر قد عزم عليه وفرغ منه فلا يحتمل مراجعة ، وذلك لأن المعنى أن ثباتهم على الشقاوة أمر لا يعلم إلاّ من قبلنا ، وذلك بأحد أمرين: إما بواسطة الأمين جبرئيل بما يأتي به من الوحي عنا غضاَ طريًا محفوظًا من الغير فلا تحريف فيه لا تبديل ، وإما بواسطة أهل الكتاب عن أنبيائهم - وفي ذلك نزول درجتين مع تجويز التخويف والتبديل ، وهذا ما لا يرضاه ذو همة علية ونفس ابية - فالمعنى: انا قد اخبرتك بأن الآيات لا تزيد المقتضي بشقائه إلاّ ضلالًا وأنا خبير بذلك ) ولا ينبئك مثل خبير ( فلا تطلب إجابتي إياهم إلى ما يقترجحون عليك رجاء إيمانهم فإنهم لا يؤمنون بذلك ) فإن كنت ( اي في وقت من الأوقات ) في شك ( اي ولو قل ) ممآ أنزلنا ) أي بعظمتنا واصلًا على لسان الواسطة ) إليك ( في ذلك ) فسئل ( اي بسبب ذلك الشك ) الذين يقرءون ) أي متتابعين لذلك ) الكتاب ( اي السماوي من اليهود والنصارى ، فإنهم من الإحاطة بصحة ما أنزلنا إليك على حج عظيم .
ومن آمن منهم أو كان منصفًا جدير بأن يزداد من فاوضه في ذلك إيمانًا ؛ ولما كانوابعض من أوتي الكتاب في الزمن السالف ، أثبت الجار فقال: ( من قبلك ( ةوهم عن ذلك الخر بمراحل ، فلا تجنح إلى سؤال غيري ، وهذا مضمون قوله تعالى مؤكدًا آتيًا بحرف التوقع لأن كلًاّ من الأمرين في أحق مواضعه:( لقد جآءك الحق ) أي الثابت الكامل ثباته وهو إمضاء العدل فيهم ؛ وزاده تشريفًا وترغيبًا فيه بقوله: ( من ربك ( اي المحسن إليك باصطفائك لذلك ، فلذا سيق مساق البيان له من غير واو ، فإذا ثبت أنه الحق اي الثابت أعلى الثبات تسبب عنه البعد من تزلزل من جاءه ، فناسب أتباعه بقوله: ( فلا تكونن ( اكده لأنه حقيق بأن لا ينثني عنه احد