صفحة رقم 105
ذنب عبيد إله أبيك ، فبكى يوسف لما قالوا ذلك ، فدنا إخوته فخروا بين يديه سجدًا وقالوا له: هوذا نحن لك عبيد ، فقال لهم: لا تخافوني لأني أخاف الله ، أما أنتم فهممتم بي شرًا فصيره الله لي خيرًا كما فعل بي يومنا هذا ، فأحيي على يدي خلقًا عظيمًا ، والآن فلا خوف عليكم ، أنا اقوتكم وحشمكم ، فعزاهم وملأ قلوبهم خيرًا .
ثم أقام يوسف بمصر هو آل بيته ، فعاش يوسف مائة وعشر سنين ورأى يوسف ولد ولده ، فقال يوسف لإخوته: هاأنذا متوف ، والله سيذكركم ويخرجكم من هذه الأرض إلى الأرض التي أقسم بها لإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فأقسم يوسف على بني أسرائيل وقال: إن الله سيذكركم ، فأصعدوا عظامي معكم ، فتوفي يوسف وهو ابن مائة وعشر سنين ، فحنطوه ووضعوه في صندوق بأرض مصر - وسيأتي ما بعد ذلك من استعبادهم وما يتبعه في سورة القصص إن شاء الله تعالى .
وهذا الذي ذكر من القصة في التوراة مصدق لما في القرآن وشاهد بإعجازه ، غير أنه لم يذكر شرح قوله تعالى: ( ) فلما استيئسوا منه خلصوا نجيًا ( ) [ يوسف: 80 ] في أنه بعد أخذ الصواع من رحل أخيه تركهم من غير تعريف لهم بنفسه فمضوا إلى أبيهم فأخبروه بذلك ، ثم عادوا مرة أخرى لميرة الثالثة ، فكأنهم أسقطوا ما في التوراة من ذلك تدليسًا وتلبيسًا ، وهو لا يضر غيرهم ، فإن ما صار في كتابهم لا يتمشى على قوانين العقل لمن تدبر ، فلم يفدهم ذلك غير التحقق لخيانتهم وجهلهم - والله الهادي إلى الصواب .
يوسف: ( 102 - 106 ) ذلك من أنباء. .. . .
)ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ (( )
ولما تم الذي كان من أمرهم على هذا الوجه الأحكم الصراط الأقوام من ابتدائه إلى انتهائهن قال مشيرًا إلى أنه دليل كاف في تصحيح دعوى النبوة مخاطبًا لمن لا يفهم هذا الحق فهمه غيره ، مسليًا له مثبتًا لفؤاده وشارحًا لصدره ، منبهًا على أنه مما ينبغي السؤال عنه: ( ذلك ) أي النبأ العالي الرتبة الذي قصصناه قصًا يعجز البلغاء من حملته ورواته فكيف بغيرهم ) من أنباء الغيب ) أي أخباره التي لها شأن عظيم ) نوحيه إليك ( وعبر بصيغة المضارع تصويرًا لحال الإيحاء الشريف وإشارة إلى أنه لا يزال معه يكشف