صفحة رقم 168
تقدم ، فإذا تقرر ذلك علم أنه لا مانع حينئذ لأمة من الأمم عن الاستقامة على هذا الصراط إلا إذن الله ومشيئته ) فيضل ) أي فتسبب عن ذلك أنه يضل ) الله ) أي الذي له الأمر كله ) من يشاء ( إضلاله ، وقدم سبحانه هذا اهتمامًا بالدلالة على أنه سبحانه خالق الشر كما أنه خالق الخير مع أن السياق لذم الكافرين الذين هم رؤوس أهل الضلال ) ويهدي من يشاء ( هدايته فإنه سبحانه هو المضل الهادي ، وأما الرسل فمبينون ملزمون للحجة تمييزًا للضال من المهتدي ) وهو ) أي وحده ) العزيز ( الذي لا يرام ما عنده إلا به ، ولا يمتنع عليه شيء أراده ) الحكيم ( الذي لا ينقض ما دبره ، فلذلك دبر بحكمته إرساله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الخلق كافة باللسان العربي ، لأن المقصود جمع الخلق علىالحق ، فجمعهم على لسان واحد أنسب ما يكون لذلك ، ولو أنزل بألسنة كلها لكان منافيًا لهذا المقصود ، وإن كان مع الإعجاز بكل لسان كان قريبًا من الإلجاء فيفوت الإيمان بالغيب ، ويؤدي أيضًا إلى ادعاء أهل كل لسان أن التعبيرعنه بلسانهم أعظم ، فيؤدي ذلك إلى المفاخرة والعصبية المؤدي إلى أشد الفرقة ، وأنسب الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم ، أقرب إليه ، فيكون فهمهم لأسرار شريعته ووقوفهم على حقائقها أسهل ، ويكونون عن الغلط والخطأ أبعدن فإذا فهموا عنه دعوا من يليهم بالتراجمة وهلم جرا ، فانتشر الأمر وعم سهل ، وكان مع ذلك أبعد من التحريف وأسلم من التنازع .
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كانت سورة الرعد على ما تمهد بأن كانت تلك الآيات والبراهين التي سلفت فيها لا يبقى معها شك لمن اعتبر بها لتعظيم شأنها وإيضاح أمرها ، قال تعالى:
77 ( ) كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ( ) 7
[ إبراهيم: 1 ] أي إذا هم تذكروا به واستبصروا ببراهينه وتدبروا آياته
77 ( ) ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض ( ) 7
[ الرعد: 31 ] .
ولما كان هذا الهدى والضلال كل ذلك موقوف على مشيئته سبحانه وسابق إرادته وقد قال لنبيه عليه السلام ) إنما أنت منذر ولك قوم هاد ( قال تعالى هنا ) بإذن ربهم ( ، إنما عليك البلاغ .
ولما قال تعالى:
77 ( ) وكأين من آية من السماوات والأرض ( ) 7
[ يوسف: 105 ] تم بسطها في سورة الرعد ، أعلم هنا أن ذلك كله له وملكه فقال:
77 ( ) الذي له ما في السماوات وما في الأرض ( ) 7
[ إبراهيم: 2 ] فالسماوات والأرض بجملتها وما فيهما من عظيم ما أوضح لكم الاعتبار به ، كل ذلك له ملكًا وخلقًا واختراعًا ،
77 ( ) وله أسلم من في السماوات وما في الأرض طوعًا وكرها ( ) 7
[ آل عمران: 83 ]
77 ( ) وويل للكافرين من عذاب شديد ( ) 7
[ إبراهيم: 2 ] لعنادهم مع وضوح الأمر وبيانه
77 ( ) ويصدون عن سبيل الله ( ) 7
[ التوبه: 34 ] وع وضوح السبيل