صفحة رقم 209
مارس أمثال هذه الهمم أن يفهم غيره أن يكون لا ينقل آية إلا إذا وجد من حفاظها على حسب ما هي مكتوبة عدد التواتر والله أعلم .
ولما كان هذا الكلام الذي قالوه عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم شاقًا وله غائطًا موجعًان قال تسلية له على وجه راد عليهم: ( ولقد أرسلنا ) أي على ما لنا من العظمة والجلال والهيبة ؛ ولما كان الإرسال بالفعل غير عام للزمان كلهن قال: ( من قبلك ) أي كثيرًا من الرسل ) في شيع ) أي فرق ، سموا شيعًا لمتابعة بعضهم بعضًا في الأحوال التي يجتمعون عليها في الزمن الواحد من مملكة أو عمارة أو ديانة أو نحو ذلك من الأمور الجارية في العادة ) الأولين ( كلهم ، فما أرسلنا إلا رجالًا من أهل القرى مثلك يوحى إليهم ، ولم نرسل مع أحد منهم ملائكة تراها أممهم ، بل جعلنا مكاشفة الملائكة أمرًا خاصًا بالرسل ، فكذبوا رسلهم ) وما يأتيهم ( عبر بالمضارع تصويرًا للحال ، إيذانًا بما يوجب من الغضب ، فإن ما تجعل المضارع حالًا والماضي قريبًا منه ، وأكد النفي فقال:( من رسول ) أي على أي وجه كان ) إلا كانوا به ) أي جبلة وطبعًا ) يستهزئون( مكررين لذلك دائمًا ، فكأنهم تواصوا بمثل هذا ، ولم ينقص هذا من عظمتنا شيئًا ، فلا تبتئس بما يفعلون بك ؛ والاستهزاء في الأصل: طلب الهزوء ، والمراد به هنا - والله أعلم - الهزء ، وهو إظهار ما يقصد به العيب على إيهام المدح كاللعب والسخرية ، ولعله عبرعنه بالسين المفهمة للطلب إشارة إلى أن رغبتهم فيه لا تنتقضي كما هو شأن الطالب للشيء ، مع أنهم لا يقعون على مرادهم في حق أهل الله أصلًا ، لأنهم لا يفعلون من ذلك فعلًا إلا كان ظاهر البعد عما يريدون ، لظهور ما يدعوا إليه حزب الله وثباته ، فكانوا لذلك كطالب ما لم يقع ، وإنما كان الناس إلى ما يوجبه الجهل من الاستهزاء ونحوه أسرع منهم إلى ما يوجبه العلم من الأخذ بالحزم والنظر في العواقب ، لما في ذلك من تعجل الراحة واللذة وإسقاط الكلفة بإلزام النفس الانتقال من حال إلى حال - قاله الرماني .
ولما كانت قلوب أهل الضلال موصوفة بالضيق والحرج ، كان الداخل إليها لا يدخل إلا بغاية العسر ، فلذلك قال جوابًا لمن كأنه قال: أهذا خاص بهؤلاء ؟ فقيل: لا ، بل )كذلك ) أي مثل هذا السلك العجيب الشأن ، وعبر بالمضارع الدال مع التجدد على الاستمرار ، لاقتضاء المقام له كما تقدم في أولها فقال: ( نسلكه ) أي الذكر ) في قلوب