فهرس الكتاب

الصفحة 2157 من 4996

صفحة رقم 259

بينًا ، وكانوا يدعون أنهم أبصر الناس بالخفيات فكيف بالجليات ، حسن جدًا قوله: ( ليحملوا( فإنهم يعلمون أن هذا لازم لهم قطعًا وإن قالوا بألسنتهم غيره ، أو يقال: إنه قيل ذلك لأنه - مع أن الجهل أولى لهم منه - أخف أحوالهم لأنهم إما أن يعلموا أنهم فعلوا بهذا الطعن ما ليس لهم أولًا ، فعلى الثاني هم أجهل الناس ، وعلى الأول فإما أن يكونوا ظنوا أنهم يؤخذون به أو لا ، فعلى الثاني يكون الخلق سدى ، وليس هو من الحكمة في شيء ، فمعتقد هذا من الجهل بمكان عظيم ، وعلى الأول فهم يشاهدون كثيرًا من الظلمة لا يجازون في الدنيا ، فيلزمهم في الحكمة اعتقاد الآخرة ، ليجازي بها المحسن والمسيء ، وهذا أخف الأحوال المتقدمة ، ولا يخفي ما في الإقدام على مثله من الغباوة المناقضة لادعائهم أنهم أبصر الناس ، فقد آل الأمر إلى التهكم بهم لأنهم نُسبوا إلى علم الجهل خير منه ) أوزارهم ( التي باشروها لنكوبهم عن الحق تكبرًا لا عن شبهة .

ولما كان الله من فضله يكفر عن أهل الإيمان صغائرهم بالطاعات وباجتناب الكبائر فكان التكفير مشروطًا بالإيمان ، وكان هؤلاء قد كفروا بالتكذيب بالكتاب ، قال تعالى: ( كاملة ( لا ينقص منها شيء مما أسروا ولا مما أعلنوا ، لخفاء ولا ذهول بتكفير ولا غيره من دون خلل في وصف من الأوصاف ، فهو أبلغ من( تامة ) لأن التمام قد يكون في العدة مع خلل في بعض الوصف ) يوم القيامة ( الذي لا شك فيه ولا محيص عن إتيانه ) و ( ليحملوا ) من ( مثل ) أوزار ( الجهلة الضعفاء ) الذين يضلونهم ( فيضلون بهم كما بين أولئك الذين ضلوا ) بغير علم ( يحملون من أوزارهم من غير أن يباشرونها لما لهم فيها من التسبب من غير أن ينقص من أوزار الضالين بهم شيء وإن كانوا جهلة ، لأن لهم عقولًا هي بحيث تهدي إلى سؤال أهل الذكر ، وفطرًا أولى تنفر من الباطل( أول ) ما يعرض علهيا فضيعوها ؛ ثم استأنف التنبيه على عظيم ما يحصل لهم من مرتكبهم من الضرر وعيدًا لهم فقال تعالى: ( ألا ساء ما يزرون ( فأدخل همزة الإنكار على حرف النفي فصار إثباتًا على أبلغ وجه .

ولمت كان المراد من هذا الاستكبار محو الحق وإخفاء أمره من غير تصريح بالعناد - بل مع إقامة شبه ربما راجت - وإن اشتد ضعفها - على عقول هي أضعف منها ، وكأن هذا حقيقة المكر التي هي التغطية والستر كما بين في الرعد عند قوله تعالى:

77 ( ) بل زين للذين كفروا مكرهم ( ) 7

[ الرعد: 23 ] شرع يهدد الماكرين ويحذرهم وقوع ما وقع بمن كانوا أكثر منهم عددًا وأقوى يدًا ، ويرجي المؤمنين في نصرهم عليهم ، بما له من عظيم القوة وشديد السطوة ، فقال تعالى: ( قد مكر الذين ( ولما كان المقصود بالإخبار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت