فهرس الكتاب
صفحة رقم 272
)الذين صبروا ) أي استعملوا الصبر على ما نابهم من المكاره من الكفار وغيرهم في الإقامة بين أظهرهم مدة ثم في الهجرة بمفارقة الوطن الذي هو حرام الله المشرب حبه لكل قلب ، فكيف بقلوب من هو مسقط رؤوسهم ومألف أبدانهم ونفوسهم ، وفي بذل الأرواح في الجهاد وغير ذلك ، ولفت الكلام إلى وصف والإحسان تنبيهًا على ما يحمل على التوكل فقال تعالى: ( وعلى ربهم ) أي المحسن إليهم بإيجادهم وهدايتهم وحده ) يتوكلون ( في كل حالة يريدونها رضى بقضاء الله تعالى .
ولما أخبر تعالى أنه بعث الرسل ، وكان عاقبة من كذبهم الهلاك ، بدلالة آثارهم ، وكانوا قد قدحوا في الرسالة بكون الرسول بشرًا ثم بكونه ليس معه ملك يؤيده ، رد ذلك بقوله - مخاطبًا لأشرف خلقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكونه افهمهم عنه مع أنه أجل من توكل وصبر ، عائدًا إلى مظهر الجلال بيانًا لأنه يظهر من يشاء على من يشاء -: ( وما أرسلنا ) أي بما لنا من العظمة .
ولما كان الإرسال بالفعل إنما كان في بعض الأزمنة ، دل عليه بالجار فقال: ( من قبلك( إلى الأمم من طوائف البشر ) إلا رجالا ( لا ملائكة بل آدميين ، هم في غاية الاقتدار على التوكل والصبر الذي هو محط الرجلة ) نوحي إليهم ( بواسطة الملائكة ، وما أحسن تعقيب ذلك للصابرين ، لأن الرسل أصبر الناس .
ولما كانوا قد عزموا إلى سؤال أهل الكتاب في بعض الأمور ، وكانوا قد أتوا علمًا من عند الله ، سبب عن هذا الإخبار الأمر بسؤالهم عن ذلك ، فقال مخاطبًا لهم ولكل من أراد الاستثبات من غيرهم: ( فسئلوا ) أي أيها المكذبون ومن أراد من سواهم ) أهل الذكر ) أي العلم بالكتاب ، سمي ذكرًا لأن الذكر - الذي هو ضد السهو - بمنزلة السبب المؤدي إليه فأطلق عليه ، كأن الجاهل ساهٍ وإن لم يكن ساهيًا ، وكذا الذكر - الذي هو الكلام المذكور - سبب للعلم .
ولما كان عندهم حسّ من ذلك بسماع أخبار الأمم قبلهم ، أشار إليه بقوله تعالى: ( إن كنتم ) أي جبلة وطبعًا ) لا تعلمون ( أو هو التنفير من الرضى بالجهل .
ولما كانت رسل الملوك تقترن بما يعرف بصدقهم ، قال - جوابًا لمن كأنه قال: بأي دلالة أرسلوا ؟ -: ( بالبينات( المعرفة بصدقهم ) والزبر ) أي الكتب الهادية إلى أوامر مرسلهم .
ولما كان القرآن أعظم الأدلة ، أشار إلى ذلك بذكره مدلولًا على غيره من المعجزات بواو العطف ، فقال - عاطفًا على ما تقديره: وكذلك أرسلناك بالمعجزات